فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 364

يَضْرِبُ بَعْضُ السَّلاطينِ حِمًى لَهُم، ويَمنعون غيرَهُم مِن الوُقوعِ فِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ بوجهِ حقٍّ أَو بِغَيْرِ حقٍّ.

فمَنْ يَرْعَى أغنامَهُ بالقُرْبِ مِن هَذَا الحمَى المضروبِ فإنَّهُ لا يَأْمَنُ أَنْ تَأْكُلَ ماشيتُهُ مِنْه، وبهذا يُعَرِّضُ نفسَهُ للمسؤوليَّةِ أمامَ سلاطينِ الأَرْضِ.

وهذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ صلواتُ اللَّهِ وسلامُهُ عَلَيْهِ لِمَن يَقعُ فِي الشُّبُهاتِ، فإنَّهُ يَقْرُبُ مِن الوُقوعِ فِي الحرامِ، وبهذا يُعَرِّضُ نفسَهُ لعِقابِ مَلِكِ الْمُلوكِ.

قالَ ابنُ رجبٍ: (وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أنَّهُ يَنْبَغِي التَّبَاعُدُ عَن المحرَّماتِ، وَأَنْ يَجْعَلَ الإِنْسَانُ بينَهُ وبينَها حاجزًا) .

قولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (( أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً(1) إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِي الْقَلْبُ )).

قالَ الحافظُ: (سُمِّيَ القلبُ قَلبًا لتقلُّبِهِ فِي الأُمُورِ، أَو لأنَّهُ خالِصُ مَا فِي الْبَدَنِ، وخالصُ كلِّ شَيْءٍ قلبُهُ، أَو لأنَّهُ وُضِعَ فِي الجسدِ مَقْلُوبًا) (2) والَّذي يَظهرُ أنَّ الْمَعْنَى الأوَّلَ والثَّانِيَ قَريبانِ مِن الصَّوابِ، أمَّا الأخيرُ فبَعيدٌ.

لأنَّ الإِنْسَانَ يَفْقَهُ الأُمُورَ بِهِ، ويَشهدُ لِهَذَا قولُهُ جلَّ وَعَلا: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] .

وقولُهُ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق:37] .

(1) في الفتح (1/ 137) : المضغة: قدر ما يمضع، وعبر بها هنا عن مقدار القلب في الرؤية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت