أمَّا غيرُ الإمامةِ الكبرَى، فيَجوزُ توليَةُ غيرِ القرشيِّ، كما أَمَّرَ عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ، وزيدُ بنُ حارثةَ وأسامةُ وغيرُهُم.
أمَّا قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ)
فهو لا يُنافي ما تقدَّمَ، ولا يجيزُ إمامةَ العبيدِ، وإنَّمَا ذكرَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَى وجهِ ضَرْبِ الْمَثَلِ، وإنْ لم يَصِحَّ وُقوعُهُ، كما قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَمَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا - وَلَوْ كَمِفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ - بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ) ) (1) ، فإنَّ مِفْحَصَ الْقَطَاةِ لا يكونُ مَسجدًا، ولا يَسعُ فردًا.
أو يكونُ كلامُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن بابِ الإِخبارِ بالغيبِ، لِمَا سَيَقعُ فيهِ المسلمونَ مِن بُعدٍ عن تعاليمِ دينِهِم الحنيفِ، فتُوضَعُ الإمامةُ العُظمَى بغيرِ مَوْضِعِهَا، وبهذهِ الحالةِ يكونُ أمرُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بطاعَتِهِم مِن بابِ عدمِ إثارةِ الفتنِ، وذلك أنَّ الخروجَ علَى الحكَّامِ المسلمينَ عادةً يترتَّبُ عليهِ مِن الفتنِ الَّتي لا يعلمُ عواقبَهَا إلاَّ اللهُ عزَّ وجلَّ.
قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ) )فيهِ إخبارٌ منه لِمَا سَتَقَعُ فيهِ الأمَّةُ مِن خِلافٍ في أصولِ الدِّينِ وفروعِهِ.
ويَشهدُ له كذلك عن معاويَةَ بنِ أبي سفيانَ رَضِي اللهُ عَنْهُ قالَ: ألا إنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قامَ فينَا، فقالَ: (( أَلاَ إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ: اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ في النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ ) ) (2) ، وقدْ وَقَعَ ما أخبرَ به الصَّادقُ المصدوقُ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ مِن خلافٍ في الأصولِ والفروعِ، وظهرَتْ كثيرٌ مِن الفِرَقِ الضَّالَّةِ، كغُلاةِ المتصوِّفَةِ أصحابِ وَحدةِ الوجودِ، الَّذين يقولُ أحدُهُم: سُبحاني سُبحاني، ما في الْجُبَّةِ إلاَّ اللهُ، تعالَى اللهُ عمَّا يَقولُ الظَّالمونَ عُلوًّا كبيرًا.
(1) صحيح الجامع [6004] .
(2) صحيح الجامع [2638] .