فهرس الكتاب
وقالَ أحمدُ: (يأمرُ بالرِّفقِ والخضوعِ، فإن أسمعُوهُ ما يكرَهُ لا يغضَبُ، فيكونَ يريدُ أن ينتصرَ لنفسِهِ) .
وقالَ أحمدُ كذلك: (النَّاسُ محتاجُونَ إلَى مداراةٍ ورفقٍ، والأمرُ بالمعروفِ بلا غلظةٍ، إلاَّ رجلٌ معلِنٌ بالفسقِ، فلا حرمةَ لهُ) (1) .
كذلك ممَّا يَنْبَغِي مراعاتُهُ أن يكونَ الأمرُ أو الإنكارُ بانفرادٍ وبالسِّرِّ؛ لأنَّ هذا يؤدِّي لقبولِ النَّصيحةِ.
قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ: (مَنْ وعظَ أخاهُ سرًّا فقدْ نصحَهُ وزانَهُ، ومَن وعظَهُ علانيَةً فقدْ فضحَهُ وعابَهُ) (2) .
حتَّى يوفَّقَ الآمرُ في مهمَّتِهِ يجبُ عليهِ أن يكونَ قدوةً للآخرينَ، فإذا أمرَ بالمعروفِ كانَ أوَّلَ الممتثلِينَ له، وإذا نَهَى عن منكرٍ كانَ مِن أبعدِ النَّاسِ عنه؛ لأنَّ اللهَ يمقُتُ الآمرَ الَّذِي يقعُ في ما ينكِرُهُ علَى الآخرينَ، قالَ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 - 3] .
ولكنَّ هذا لا يعني أنَّ مَنْ كانَ مقصِّرًا في امتثالِهِ لأوامرِ اللهِ أن يدعَ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المنكرِ؛ لأنَّ اللهَ أنكرَ عليهِمْ مخالفةَ قولِهِم لفعلِهِمْ ولم ينكرْ عليهِمُ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المنكَرِ، قالَ النَّوويُّ: قالَ العلماءُ: ولا يُشْتَرَطُ في الآمرِ والنَّاهِي أن يكونَ كاملَ الحالِ ممتثلا ما يأمرُ به، مجتنِبًا ما نهَى عنه، بل عليهِ الأمرُ وإن كان مخلاًّ بما يأمرُ بهِ، والنَّاهي وإن كان متلبِّسًا بما ينهَى عنه فإنَّهُ يجبُ عليهِ شيئانِ: أن يأمرَ نفسَهُ وينهاهَا، ويأمرَ غيرَهُ وينهَاهُ، فإذا أخلَّ بأحدِهِما كيفَ يُبَاحُ له الإخلالُ بالآخرِ؟! (3) .
(1) جامع العلوم والحكم، ص 307.
(2) شرح صحيح مسلم (10/ 227) .
(3) شرح مسلم (1/ 225) .