فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 364

فكثيرٌ مِن النَّاسِ لاَ يَعُدُّ كَلامَهُ مِن عملِهِ، فيُجازِفُ فِيهِ وَلاَ يَتَحَرَّى، وَقَد خَفِيَ هذَا عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ، حتَّى سألَ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِه؟

فقالَ: (( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أو قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ - إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ) ) (1) .

-قالَ النَّوويُّ رحمَهُ اللهُ فِي كتابِهِ (رياضِ الصَّالحينَ) : (وَاعْلَمْ أنَّهُ يَنْبَغِي لكلِّ مُكلَّفٍ أَنْ يَحْفَظَ لسانَهُ عَن جَمِيعِ الْكَلاَمِ إِلاَّ كَلامًا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، ومتَى استوَى الْكَلاَمُ وتَرْكُهُ فِي الْمَصْلَحةِ فالسُّنَّةُ الإمساكُ عَنْه؛ لأنَّهُ قَد يَنْجَرُّ الْكَلاَمُ الْمُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ ومَكروهٍ، وَذَلِك كثيرٌ فِي العَادَةِ، والسَّلامةُ لاَ يَعْدِلُهَا شَيْءٌ) (2) .

وممَّا هُو مُلاحَظٌ ومعروفٌ أنَّ الْمَقُولةَ الطَّيِّبةَ الْخَيِّرةَ الموزونةَ أَو الصمتَ يُعْطِي هَيْبَةً ووَقَارًا لشخصيَّةِ المسلمِ، وكثرةَ الْكَلاَمِ والثَّرْثَرةَ والتَّدخُّلَ فِيمَا لاَ يَعْنِي يَخْدِشُ شَخصيَّةَ الْمُسْلِمِ، ويقلِّلُ مِن قدرِهِ وهَيبتِهِ فِي نفوسِ الآخَرِينَ.

فالحديثُ يَدُلُّ عَلَى أنَّ تَرْكَ مَا لاَ يَعْنِي الْمَرْءَ مِن حُسْنِ إسلامِهِ، ومَنْ حَسُنَ إسلامُهُ وُفِّقَ للخيرِ والرَّشادِ، وتُضَاعَفُ لَه حَسَنَاتُهُ، وتُكَفَّرُ سَيِّئاتُهُ. - عن أَبِي هُريرةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ: (إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ) (3) .

لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الضَّابطُ لِهَذِه القضيَّةِ الشَّرعَ، لاَ اتِّبَاعَ الهوَى، وحظوظِ النَّفسِ، لِذَلِك جَعَلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن حُسْنِ الإِسْلاَمِ؛ لأنَّ البَعْضَ قَد يُخْطِئُ فَهْمَ الْحَدِيثِ فيَتْرُكُ كثيرًا مِن الأُمُورِ الواجبةِ أَو المستحبَّةِ ظانًّا أنَّ هَذَا ممَّا لاَ

(1) حسنه الألباني في الإرواء (2/ 139) .

(2) رياض الصالحين ص 542.

(3) مختصر مسلم ص 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت