وأعمالُ عبادِ اللَّهِ الَّتي تصدُرُ مِنْهُم فِي الدُّنْيَا لا بُدَّ أن تَكُونَ مُوَافِقَةً لِمَا كتبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِم فِي الْكِتَابِ السَّابقِ، فَمَن كُتِبَ أنَّهُ مِن أَهْلِ الجنَّةِ لا بدَّ أَنْ يُوَفَّقَ للأعمالِ الَّتي تَدْخِلُهُ الجنَّةَ، وَلَو عَمِلَ فترةً مِن حياتِهِ بأعمالِ أَهْلِ النَّارِ.
وكذلكَ مَنْ كُتِبَ مِن أَهْلِ النَّارِ لا بدَّ أَنْ يعملَ بِمَا يوجِبُ لَه النَّارَ، وَلَو عمِلَ فترةً مِن حياتِهِ بأعمالِ أَهْلِ الجنَّةِ.
لذلك قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَوَاللَّهِ الَّذي لا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَهَا، وَإنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ .... إلخ ) ).
اسْتَنْبَطَ عُلماؤُنا مِن هَذَا الْحَدِيثِ فوائدَ كَثِيرَةً سأَذْكُرُ بعضًا منهَا، وَالْمُتَأَمِّلُ لِهَذِهِ الاستنباطاتِ يَلْحَظُ مَا مَنَّ اللَّهُ بِه عَلَى هَؤُلاءِ العُلماءِ مِن نِعمةِ الفَهْمِ والفقهِ الدَّقيقِ لأحاديثِ خَيْرِ الأنامِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وصَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حينَ قَالَ: (( نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فِقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ) ) (1) وَذَلِك لأنَّ الْعَبْدَ قَد يَحْفَظُ الكثيرَ مِن الْكِتَابِ والسُّنَّةِ، وَلَكِنْ لا فَهْمَ وَلا فِقهَ لَه فِي النُّصوصِ، فقد يَسْتَدِلُّ بنصٍّ بِغَيْرِ موضعِهِ، وَقَد يَمُرُّ عَلَى مَوْضِعِ الدَّلالةِ بالنَّصِّ، وَلا يَعِي ذَلِك وَلا يُلاحِظُهُ.
أَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَمُنَّ علينا، وَعَلَى عُلَمَائِنَا بنِعمةِ الفِقهِ والْفَهْمِ لدِينِهِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ) ) (2) .
(1) قال الألباني في المشكاة: وأما الشافعي فرواه (1/ 14) من الجمع بين مسنده والسنن، بسند صحيح رقم 288.
(2) متفق عليه / البخاري، كتاب العلم، باب 13، جـ 1، ص 25 / شرح مسلم كتاب الإمارة، جـ 4، ص 585.