فهرس الكتاب
والبيِّنَةُ هي حُجَّةُ المدَّعِي، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( البيِّنةُ علَى المدَّعِي ) ).
وفي روايَةِ مسلمٍ: قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمدَّعِي: (( شَاهِدَاكَ ) )، فإذا أقامَ المدَّعِي البيِّنَةَ استحقَّ بها ما ادَّعاهُ.
والحكمةُ في كونِ البيِّنَةِ علَى المدَّعِي؛ لأنَّهُ يدَّعِي أمرًا خفيًّا بحاجةٍ إلَى إظهارٍ، والبيِّنَةُ دليلٌ قويٌّ لإظهارِ ذلك.
بعدَ عرضِ القضيَّةِ علَى القاضي يُسألُ المدَّعَى عليهِ، فإن اعترفَ بما نُسِبَ إليهِ قَضَى عليهِ القاضِي؛ لأنَّ الاعترافَ حجَّةٌ يُلزَمُ بها المعترِفُ، وإذا أنكرَ ما نُسِبَ إليهِ، طلبَ القاضي مِن المدَّعِي إقامةَ البيِّنَةِ، فإن أتَى بها قَضَى له ولم يعتدَّ بعدَ ذلك بإنكارِ المدَّعَى عليهِ أو أيمانِهِ، فإن عجز المدَّعِي عن الإتيانِ بالبيَّنَةِ، وطلبَ مِن خصمِهِ أن يحلِفَ، يَسْتَحْلِفُ القاضي المدَّعَى عليهِ، فإن حلَفَ برئَ وانتهَتْ قضيَّتُهُمَا.
قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمدَّعِي: (( أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ ) )قالَ: لا، قالَ: (( فَلَكَ يَمِينٌ؟ ) ) (1) .
والحديثُ شاهدٌ علَى أن حجَّةَ المدَّعِي مقدَّمَةٌ علَى حجَّةِ المدَّعَى عليهِ.
إذا لم يُقمِ المدَّعِي البيِّنَةَ كاملةً، بأنْ جاءَ بشاهدٍ واحدٍ والدَّعوةُ لا تثبُتُ إلاَّ بشاهدينِ، فهل يُقْبَلُ اليمينُ بدلَ الشَّاهدِ؟ يُقضَى له بشاهدٍ ويمينٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عَنْهُما: أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضَى بيمينٍ وشاهدٍ (2) .
وهذا ما ذهبَ إليهِ المالكيَّةُ، والشَّافعيَّةُ، والحنابلةُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، إلاَّ في الحدودِ والقصاصِ.
(1) شرح مسلم، كتاب الإيمان (1/ 344) .
(2) شرح مسلم، كتاب الأقضية (4/ 301) .