فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 364

قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ) )في هذا الْمَقْطَعِ مِن الحديثِ يَدُورُ كلامُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْلَ قَضِيَّةٍ مِنْ قَضايا القَضاءِ والقَدَرِ، فيَجِبُ على العبدِ الإيمانُ بذلكَ. فاللهُ جلَّ جلالُهُ عَلِمَ عِلْمًا شاملاً كاملاً ودَقيقًا لمْ يَسْبِقْهُ جَهْلٌ بما سيَكْسِبُ العبدُ مِن الخيرِ والشَّرِّ، وبما سيُصيبُهُ مِنْ خيرٍ ونَفْعٍ، وكَتَبَ ذلكَ في الكتابِ السَّابقِ.

قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) ) (1) ، وقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ؛ فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ) (2) .

والعبدُ لا يُصيبُهُ مِنْ خيرٍ ونَفْعٍ إلاَّ ما قُدِّرَ عليهِ، فمَنْ قَدَّرَ اللهُ لهُ نَفْعًا لو اجْتَمَعَ أهلُ السَّماءِ والأرضِ على مَنْعِ النَّفْعِ عنهُ لا يَستطيعونَ إلى ذلكَ سبيلاً. دلَّ كتابُ الْمَلِكِ العلاَّمِ على مِثلِ ذلكَ: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا} [التوبة: 51] وقالَ سُبحانَهُ: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: 154] .

لذلكَ قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ) ).قالَ ابنُ رَجَبٍ: (هوَ كِنايَةٌ عنْ تَقَدُّمِ كتابةِ الْمَقاديرِ كلِّها والفراغِ منها مِنْ أَمَدٍ بعيدٍ؛ فإنَّ الكتابَ إذا فُرِغَ مِنْ كِتابتِهِ ورُفِعَت الأقلامُ عنهُ وَطَالَ عَهْدُهُ، فقدْ رُفِعَتْ عنهُ الأقلامُ وجَفَّت الأقلامُ الَّتي كُتِبَ بها مِنْ مِدادِهَا، وجَفَّت الصُّحفُ الَّتي كُتِبَ فيها بالْمِدادِ المكتوبِ فيها، وهذا مِنْ أَحْسَنِ الكِناياتِ وأَبْلَغِهَا) (3) .

(1) رواه مسلم (5/ 509) .

(2) رواه أحمد (5/ 317) وحسنه الألباني / شرح العقيدة الطحاوية ص 294 الطبعة الأولى.

(3) جامع العلوم والحكم 182.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت