1 -لا يَجوزُ أَنْ تُتَّخَذَ المباحاتُ قُرْبةً فِي صورتِها وذاتِها، كمَنْ يَظُنُّ أنَّ الْمَشيَ أَو الأَكْلَ أَو الوقوفَ أَو اللِّبَاسَ قُرْبَةٌ لِلَّهِ فِي ذاتِهِ، لِذَلِك أَنْكَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي إسرائيلَ عندَما رآهُ قائمًا فِي الشَّمسِ، فسألَ عَن سَبَبِ وُقوفِهِ فَقِيلَ لَهُ: (هَذَا أَبُو إسرائيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلا يَقْعُدَ، وَلا يَسْتَظِلَّ، وَلا يَتَكَلَّمَ ويَصُومَ) .
قَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، ولْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ) ) (1) .
2 -أَنْ يَكُونَ الْمُباحُ وَسِيلَةً إِلَى العِبادةِ: قالَ ابنُ الشَّاطِ: (إِذَا قُصِدَ بالمباحاتِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعاتِ، أَو التَّوصُّلُ إِلَيْهَا كَانَتْ عِبادةً، كالأكلِ والنَّومِ واكتسابِ المالِ ... ) (2) .
ويَرَى العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ (3) أنَّ المسلِمَ يُثابُ فِي هَذِه الْحَالَةِ عَلَى القَصْدِ دُونَ الفعلِ (4) .
وقالَ ابنُ تَيميَّةَ: (يَنبغِي ألا يَفعلَ مِن المباحاتِ إِلا مَا يَستعينُ بِهِ عَلَى الطَّاعةِ، ويَقْصِدُ الاستعانةَ بِهَا عَلَى الطَّاعةِ) (5) .
3 -أَنْ يَكُونَ الأَخْذُ بِهِ عَلَى أنَّهُ تشريعٌ إلهيٌّ: يَنبغِي للمسلِمِ أَنْ يَأْخُذَ المباحَ مُعتقِدًا أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ أباحَهُ لَه، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ تُؤتَى رُخَصُهُ، كَمَا تُؤتَى عزائمُهُ، كَمَا أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ لا يَرْضَى بالتَّرَهْبُنِ، والغلوِّ والتَّشدُّدِ.
وَعَلَى هَذَا يُظهِرُ المسلمُ عُبوديَّتَهُ لربِّهِ، فَهُو يَسيرُ وَفْقَ نظامٍ متكاملٍ، فالحلالُ مَا أحلَّ اللَّهُ، والحرامُ مَا حرَّمَ، والمباحُ مَا أباحَهُ، فالَّذي يَنْظُرُ للمباحِ عَلَى هَذَا الأساسِ يُثابُ، إِنْ شاءَ اللَّهُ.
(1) رواه البخاري بهذا اللفظ، وليس فيه في الشمس، ورواه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهم.
(2) غمز عيون البصائر (1/ 34) .
(3) عز الدين بن عبد السلام (577 - 660 هـ) هو عبد العزيز بن عبدالسلام أبي القاسم بن الحسن السلمي، ولد بدمشق، درس وخطب بالجامع الأموي، ذهب إلى مصر واشتغل بالقضاء وتولى الخطابة، فقيه شافعي مجتهد، من آثاره: 1 - قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 2 - الفتاوى، 3 - التفسير الكبير.
(4) قواعد الأحكام (1/ 178) .
(5) مجموع الفتاوى (10/ 460، 461) .