وقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ ) ) (1) ، ممَّا لا شكَّ فيهِ ولا ريبَ نحنَ مقبلونَ علَى يومٍ شديدٍ هولُهُ، عسيرٌ علَى مَن انحرفَ عن صراطِ اللهِ المستقيمِ، قالَ تَعالَى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} [الفرقان: 26] . وقالَ تَعالَى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} [المدثر 8 - 10] .
وأمَّا مَن آمَنَ به، وأدَّى حقوقَهُ، وأدَّى حقوقَ عبادِ اللهِ عليهِ، وأعانَهُمْ، ويسَّرَ عليهم يسَّرَ اللهُ عليهِ أمورَهُ، وسهَّلَهَا له، وكذلكَ سهَّلَ اللهُ عليهِ كلَّ عسرٍ يومَ القيامةِ، وأعانَهُ وثبَّتَهُ، وهذا جزاءُ صنيعِهِ في الدُّنيا مع إخوانِهِ.
قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَاوَالآخِرَةِ ) )، الأصلُ أنَّ المسلمَ السَّويَّ يحبُّ لأخيهِ ما يحبُّ لنفسِهِ، فإذا رأَى عيبًا أو تقصيرًا في أخيهِ المسلمِ أنْ يدعوَ له بالاستقامةِ والصَّلاحِ، وأن ينصَحَهُ بالسِّرِّ، فهذا أحرَى لقبولِ النَّصيحةِ، كما قالَ الشَّافعيُّ:
تعمّدْنِي بنصحِكَ في انفرادِي ** وجَنِّبْنِي النَّصيحةَ في الجماعهْ
إنَّالنُّصحَ بينَ النَّاسِ نوعٌ ** مِن التَّوبيخِ لا أرضَى استماعَهْ (2)
لا أنْ يَفرحَ ويسعدَ بزَلَّةِ أخيهِ وسقطاتِهِ، ويجعلَ منها حديثًا يَتلذَّذُ به في المجالسِ، فيَفضَحَ أخاهُ بذلكَ، ويخالفَ أمرَ ربِّهِ ورسولِهِ.
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضي عنهما قالَ: صَعِدَ رسولُ اللهِ المنبرَ فنادَى بصوتٍ رفيعٍ فقالَ: (( يَا مَعْشَرَ مَنْ قَدْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ،
(1) شرح مسلم كتاب الزهد (5/ 851) .
(2) كتيب ديوان الإمام الشافعي، ص 56.