وقالَ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} [آل عمران:] ، فأخبرَنَا سبحانَهُ بأنَّهُ يحبُّ أقوالاً وأعمالاً معيَّنةً، كما يحبُّ بعضًا مِن خلقِهِ اتَّصفُوا بصفاتٍ معيَّنةٍ، وفائدةُ الإخبارِ حتَّى نبادرَ إلَى ما يحبُ فنفوزَ برضاهُ ومحبَّتِهِ.
فيَجبُ علَى العبدِ أن يَصفَ اللهَ عزَّ وجلَّ بما وصفَ به نفسَهُ دونَ تأويلٍ للصِّفةِ، أو تعطيلٍ، أو تشبيهٍ لها بصفةِ الخلقِ، وهذا هو منهجُ السَّلفِ، فهو الأسلمُ والأحكمُ والأعلمُ، وبه النَّجاةُ.
(3) قولُهُ: (( وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ ) )يعلِّمُنَا صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ طريقَ محبَّةِ النَّاسِ، وذلك بالزُّهدِ بما في أيديهِمْ مِن حُطَامِ الدُّنيا الفانيَةِ.
قالَ الشَّافعيُّ: (فإنْ تجتَنِبْها كنْتَ سِلْمًا لأهلِهَا وإن تَجْتَذِبْهَا نازعَتْكَ كِلابُهَا(1) .
ومعلومٌ أنَّ مَن نازعَ إنسانًا علَى محبوبِهِ كرهَهُ وقلاهُ).
والإنسانُ بحاجةٍ إلَى محبَّةِ النَّاسِ إليهِ لأنَّهُ يشعرُ بسعادةٍ وانشراحٍ عندَما يعيشُ بين ظهرانيْ أناسٍ يحبُّونَهُ، ويشعرُ بضيقٍ وانقباضٍ عندما يحيَا بينَ قومٍ يَكرهونَهُ.
والدَّاعي إلَى اللهِ أحوجُ ما يكونُ إلَى محبَّةِ النَّاسِ له، لأنَّهُم إذا أحبُّوهُ أحبُّوا بضاعَتَهُ وقبلُوهَا، ولكن يَنْبَغِي ألا يكونَ السَّعيُ لكسبِ محبَّةِ النَّاسِ علَى حسابِ الحقِّ والعدلِ، فإنَّ هذا لا يجوزُ في دينِ اللهِ عزَّ وجلَّ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إلَى النَّاسِ، وَمَنْ أَسْخَطَ النَّاسَ بِرِضَا اللهِ كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ ) ) (2) .
(1) ديوان الإمام الشافعي، ص 22.
(2) صحيح رواه الترمذي، انظر صحيح الجامع [5886] .