فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 364

عنْ أبي هُريرةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ، أنَّ رَجُلاً قالَ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِني. قالَ: (( لاَ تَغْضَبْ ) )فَرَدَّدَ مِرارًا، قالَ: (( لاَ تَغْضَبْ ) ) (1) . رواه البخاريُّ.

قالَ الجردانيُّ: (إنَّ هذا الحديثَ عظيمٌ، وهوَ مِنْ جَوامعِ الكَلِمِ؛ لأنَّهُ جَمَعَ بينَ خَيْرَي الدُّنيا والآخِرةِ، وذلكَ أنَّهُ أَمَرَ بالابتعادِ عنْ أسبابِ الغَضَبِ الَّذي جُمَّاعُ الشَّرِّ فيهِ، وجُمَّاعُ الخيرِ بالتَّخلُّصِ منهُ) .

تعريفُ الغضبِ: طَلَبَ هذا الصَّحابيُّ الجليلُ -ولَعَلَّهُ أبو الدَّرداءِ- مِنْ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُوصِيَهُ وَصِيَّةً وَجِيزةً جامِعةً لِخِصالِ الخيرِ، لِيَحْفَظَهَا عنهُ، فحَذَّرَهُ من الغضبِ ثلاثَ مرَّاتٍ.

وهذا يَدُلُّ على أنَّ الغضبَ جُمَّاعُ الشَّرِّ، والتَّحرُّزَ منهُ جُمَّاعُ الخيرِ.

والغضبُ: حالةٌ يَراها العبدُ في غيرِهِ، ويَشْعُرُ بها في ذاتِهِ، وهوَ نقيضُ الرِّضَا.

وعَرَّفَهُ قومٌ: بغَليانِ دمِ القلبِ طَلَبًا لدفعِ الْمُؤْذِي عنهُ خَشيَةَ وُقوعِهِ، أوْ طَلبًا للانتقامِ مِمَّنْ حَصَلَ لهُ الأذى بعدَ وُقوعِهِ.

ويَنْشَأُ مِنْ ذلكَ كثيرٌ مِن الأفعالِ المُحَرَّمَةِ؛ كالقتلِ والضَّربِ وأنواعِ العُدْوَانِ، وكثيرٌ من الأقوالِ المحرَّمَةِ؛ كالقذفِ والسَّبِّ والفُحْشِ، والأَيْمَانِ الَّتي لا يَجوزُ التزامُهَا شرعًا، وكالطَّلاقِ دُونَ حقٍّ.

لذلكَ أوصى رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالابتعادِ عنْ أسبابِ الغضبِ، وعدمِ العملِ بِمُقْتَضَى الغَضَبِ، بلْ يَجِبُ عليهِ أنْ يُجاهِدَ نفسَهُ بكَظْمِهِ وعِلاجِهِ.

(1) رواه البخاري كتاب الأدب باب 7/ 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت