إنْ فعلْنَا ذلك، وسعَيْنَا في تفريجِ كربِ المسلمينَ المعنويَّةِ والماديَّةِ، فيكونُ الجزاءُ مِن جنسِ العملِ، كما يقولُونَ، فسوفَ يحفظُنَا اللهُ ويزيلُ عنَّا كربَ يومِ القيامةِ أعظَمَهَا وأشدَّهَا، يقولُ عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ} [الحج: 2] .
وعن عائشةَ رَضِي اللهُ عَنْهُا، أنَّها سمعَتْ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً ) )، قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِهِمْ؟!! قالَ: (( يَا عَائِشَةُ، الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ) ) (1) . ومعنَى غُرْلاً: جَمْعُ أَغْرَلَ، وهو الَّذي لم يُخْتَنْ وبَقِيَتْ معه غرْلَتُهُ، وهي الْجِلْدَةُ الَّتي تُقطَعُ في الْخِتانِ.
قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) )، الْمُعْسِرُ: هو مَن كثرَتْ ديونُهُ وأَثْقَلَتْهُ، بحيثُ لا يَستطيعُ سدادَهَا.
ويكونُ التَّيسيرُ عليهِ: إمَّا بإنظارِهِ إلَى مَيْسَرَةٍ، حتَّى يَخرجَ مِن عسرِهِ ويُوسِّعَ اللهُ عليهِ، قالَ تَعالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] ، وإمَّا بالوضعِ عنه إن كانَ غريمًا، أو بإعطائِهِ ما يزولُ به إعسارُهُ.
ففي (الصَّحيحينِ) عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ عَنْهُ ) ) (2) .وقالَ تعالَى: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280] .
(1) شرح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (5/ 712) .
(2) البخاري كتاب البيوع باب 18 (3/ 10) ، وشرح مسلم كتاب المساقاة (4/ 69) .