وبذلك أفتَى العلامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ الحريريِّ الأنصاريُّ، وابنُ رجبٍ، وغيرُهُم.
ممَّا تقدَّمَ نَخْلُصُ أنَّ: الجهرَ بالنِّيَّةِ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ بعيدةٌ عَن هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
يُعَرِّفُ عُلماءُ الأصولِ المباحَ بالآتي: هُو الَّذِي لا يُثابُ فاعلُهُ وَلا يعاقَبُ تارِكُهُ، وَيَكُونُ فِعْلُهُ وتَرْكُهُ سِيَّيْنِ.
ولكنَّ المباحَ إِذَا خالطَتْهُ النِّيَّةُ الصَّالحةُ يَكُونُ بِذَلِك قربةً ويُثابُ فاعلُهُ عَلَى ذَلِكَ.
-فمَنْ أكلَ أَو شرِبَ ونوَى التَّقَوِّيَ عَلَى طاعةِ اللَّهِ ورسولِهِ يُثابُ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ.
-وَكَذَلِكَ مَنْ نوَى بكسبِهِ كفَّ وجهِهِ عَن المسألةِ والإنفاقَ عَلَى نفسِهِ وعيالِهِ، وَهَكَذَا.
ذهبَ إِلَى الْقَوْلِ بِهَذَا جمعٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ:
مِنْهُمْ: ابنُ قيِّمِ الجوزيَّةِ، قَالَ رحمَهُ اللَّهُ: (إنَّ خواصَّ المقرَّبينَ هُمُ الَّذِين انقلبَت المباحاتُ فِي حقِّهم إِلَى طاعاتٍ وقرباتٍ بالنِّيَّةِ، فليسَ فِي حقِّهِم مباحٌ متساوِي الطَّرَفينِ، بَلْ كلُّ أعمالِهِم راجحةٌ) (1) .
ومنهم: ابنُ الحاجِّ المالكيُّ (2) ، قَالَ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (3) : (المباحُ ينتقلُ بالنِّيَّةِ إِلَى النَّدبِ، وَإِن استطعْنَا أَنْ ننويَ بالفعلِ نيَّةَ أَدَاءِ الْوَاجِبِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ نيَّةِ النَّدبِ، للحديثِ:(( وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ ) )) (4) .
ومنهم: العلامةُ النَّوويُّ قَالَ رحمَهُ اللَّهُ مُعَقِّبًا عَلَى الْحَدِيثِ الْخَامِسِ والعشرينَ مِن أَربعينِهِ:
(1) مدراج السالكين (1/ 107) .
(2) ابن الحاج (؟ - 737 هـ) هو محمد بن محمد بن محمد، أبو عبد الله العبدري من قبيلة عبد الدار، من أهل فاس، بلدة بالمغرب، كان خبيرا بمذهب المالكية، اشتغل بالقضاء، أصبح ضريرا في آخر حياته، من آثاره العلمية: 1 - مدخل الشرع الشريف، 2 - شموس الأنوار، 3 - كنوز الأسرار.
(2) المدخل من 21 - 22.
(3) رواه البخاري كتاب الرقائق (7/ 190) ، وانظر السلسلة رقم 1640.