قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ).
(نفَّسَ) وروايَةُ (الصَّحيحينِ) (فَرَّجَ) ، والمعنَى: أزالَها وخَفّفها عنه، مأخوذٌ مِن تنفيسِ خِناقِ الثَّوبِ وإرخائِهِ حتَّى يَأخذَ نَفَسًا، والتَّفريجُ أعظمُ مِن ذلك، وهو أن يُزيلَ كربَهُ، فتُفرَّجَ عنه كربتُهُ، ويَزولُ همُّهُ وغمُّهُ. والكربةُ: هي الشِّدَّةُ العظيمةُ الَّتي تُوقِعُ صاحبَهَا في الْحُزنِ والغمِّ الَّذي يَأْخذُ بالنَّفْسِ، قالَ تعالَى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4] ، يرَى ابنُ جريرٍ (أنَّ المرادَ بالآيَة الْمُكابَدةُ في الأمورِ ومشاقُّهَا) (1) اهـ.
فالإنسانُ يَتعرَّضُ في هذه الحياةِ لما يُهِمُّهُ ويُغُمُّهُ ويُحْزِنُهُ في بدنِهِ وولدِهِ وأهلِهِ ومالِهِ ودينِهِ، فيَنْبَغِي علَى إخوانِهِ في العقيدةِ أن يَسْعَوْا لتخليصِهِ مِن هذا، وتخفيفِ آلامِهِ وأحزانِهِ قدرَ الْمُستطاعِ، وقد يُظْلَمُ المسلمُ، والظُّلمُ مِن شيَمِ نفوسِ البَشَرِ كما قالَ المتنبِّي:
والظُّلمُ مِن شيمِ النُّفوسِ فإن ** تجدْ ذا عفَّةٍ فلِعَلَّةٍ لا يظلمُ
وهنا لا يحلُّ تركُهُ - مع الاستطاعةِ - في الظُّلمِ، قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ) )قيل: أفرأيْتَ إذا كانَ ظالمًا، كيف أَنصرُهُ؟ قالَ: (( تَحْجُزُهُ - أَوْ تَمْنَعُهُ - مِنَ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ) ) (2) .
وقد يُظلمُ المسلمُ بسببِ تَمَسُّكِهِ بدينِهِ، ويلاقي مما يَهمُّهُ ويَغمُّهُ مِن البلاءِ ما لا تَتَحَمَّلُهُ الجبالُ الرواسي، مِن طغاةٍ وعتاةٍ وجبابرةِ الأرضِ الخاسرينَ، وهنا علينا تَنفيسُ كربتِهِ بأنفسِنَا وأموالِنَا وألسنتِنَا وأقلامِنَا، قالَ تَعالَى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال: 72] .
(1) تفسير ابن كثير (8/ 426) .
(2) البخاري كتاب الإكراه باب 7 (8/ 58) .