انتشارُ المحبَّةِ والألفةِ بينَ المسلمينَ نعمةٌ عظيمةٌ، لذلك ذكَّرَ اللهُ رسولَهُ والمؤمنينَ بهذه النِّعمةِ حتَّى يقومُوا بشكرِهَا ويستقيموا عليها، قالَ تَعالَى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] .
وقالَ: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 62 - 63] .
البُغضُ في اللهِ لا يدخلُ في النَّهيِ الواردِ في الحديثِ؛ لأنَّهُ مِن أوثقِ عرَى الإيمانِ أن يَبْغضَ المؤمنُ أعداءَ اللهِ ورسولِهِ المعادينَ لدينِهِ، وأن يبغضَ الظَّلَمَةَ والفسَقَةَ علَى قدرِ فسوقِهِم وظلمِهِم، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَحَبَّ للهِ، وَأَبْغَضَ للهِ، وَأَعْطَى للهِ، وَمَنَعَ للهِ؛ فَقَد اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ ) ) (1) .
قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَلاَ تَدَابَرُوا ) ).
قالَ أبو عبيدَةَ: التَّدابرُ: المصادَمةُ والْهُجرانُ، مأخوذٌ مِن أن يولِّيَ الرَّجلُ صاحبَهُ دُبُرَهُ، ويُعْرِضَ عنه بوجهِهِ، وهو التَّقاطُعُ (2) .
والتَّدابرُ مِن أَجْلِ الدُّنيا واتِّباعِ حظوظِ النَّفسِ والهوَى لا يَحِلُّ للمسلمِ أن يَهْجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاثةِ أيَّامٍ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ ) ) (3) .
أمَّا الهجرانُ مِن أجلِ الدِّينِ فيجوزُ أكثرَ مِن ثلاثةِ أيَّامٍ، نصَّ عليهِ الإمامُ أحمدُ رحمَهُ اللهُ، والحجَّةُ في ذلك قصَّةُ الثَّلاثةِ الَّذينَ خُلِّفُوا وهم: كعبُ بنُ مالكٍ، وهلالُ بنُ أميَةَ، ومُرارةُ بنُ الرَّبيعِ العُمَرِيُّ.
وهجرَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نساءَهُ شهرًا.
وذكرَ الْخَطَّابِيُّ أنَّ هجرانَ الوالدِ لولدِهِ والزَّوجِ لزوجتِهِ، وما كان في معنَى ذلك تأديبًا تجوزُ الزِّيادةُ فيهِ علَى الثَّلاثَةِ أيَّامٍ.
(1) انظر صحيح الجامع [5841] .
(2) جامع العلوم والحكم، ص 312.
(3) رواه البخاري كتاب الآداب (7/ 90) ، وشرح مسلم كتاب البر والصدقة (5/ 425) .