فهرس الكتاب
لاَ تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ، وَلاَ تَتَبَّعُوا عَوْرَاتِهِم، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَتَهُ يَفْضَحُهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ )) (1) .
فالحديثُ يَدلُّ علَى أنَّ تتبُّعَ عوراتِ المسلمينَ وفضحَهُم هذا يصدرُ مِن المنافقينَ وضعفاءِ الإِيماِن، الَّذينَ لم يتغلغلِ الإِيمانُ إلَى قلوبِهِم.
ولكنْ ممَّا يَنْبَغِي أن يُعْلَمَ هنا أنَّ النَّاسَ في هذه القضيَّةِ ضربانِ:
1 -مَن كانَ مستورَ الحالِ معروفًا بينَ النَّاسِ بطاعتِهِ وصلاحِهِ، مثلُ هذا إذا وقعَتْ منه هفوةٌ أو زلَّةٌ وجبَ علَى مَن رآهُ أن يسترَ عليهِ، وإفشاءُ حالِ مثلِ هذا يقعُ تحتَ الغيبةِ الَّتِي حرَّمَها اللهُ عزَّ وجلَّ، كما أنَّ فيهِ إشاعةً للفاحشةِ في الَّذين آمنُوا، قالَ تعالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ (2) الْفَاحِشَةُ (3) فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النور: 19] .
قالَ العلماءُ: المرادُ بإشاعةِ الفاحشةِ علَى المؤمنِ فيما وقعَ منه، أو اتُّهِمَ به ممَّا هو بريءٌ منه (4) .
2 -مَن كانَ معروفًا بمعاصِيهِ، مجاهرًا بها، لا يُبالي بها، ولا بما قيلَ، مثلُ هذا الضَّربِ مِن النَّاسِ لا غيبةَ لهُ، بل لا بدَّ مِن بيانِ حالِهِ للنَّاسِ حتَّى يحذرُوا مِن شرِّهِ، وإذا لم ينتَهِ فلا بدَّ مِن رفعِ حالِهِ لولاةِ الأمرِ لتأديبِهِ، وتقويمِ سلوكِهِ؛ وذلك بإقامةِ الحدِّ أو التَّعزيرِ.
(1) انظر صحيح الجامع [7862] .
(2) تشيع: تفشو وتنتشر.
(3) الفاحشة: الفعل القبيح المفرط الفبح.
(4) جامع العلوم والحكم، ص 321.