فهرس الكتاب
وقالَ ابنُ حَجَرٍ الهيتميُّ: (والإثمُ كلمةٌ جامعةٌ لجميعِ أفعالِ الشَّرِّ والقبائحِ؛ كبيرِهَا وصغيرِهَا) .
وفي هذا الحديثِ بَيَّنَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعضَ علاماتِ الإثْمِ:
الأُولى: داخليَّةٌ، وهيَ شعورُ المرءِ بقلقٍ واضطرابٍ في نفسِهِ ونفورٍ وبُغْضٍ لهُ. قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ ) ) (1) .
ومعنى ذلكَ: تَرَدَّدَ في النَّفْسِ اضْطِرَابٌ وقلقٌ ونُفورٌ، فلمْ يَنشَرِحْ لهُ الصَّدرُ، ولمْ يَطْمَئِنَّ إليهِ القلبُ (2) .
وفي روايَةِ وَابِصَةَ بنِ مَعْبَدٍ: قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ ) ). ومعنى ذلكَ: أي: اضْطَرَبَ منهُ القلبُ ولمْ يَسْكُنْ إليهِ.
الثَّانيَةُ: خارجيَّةٌ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ) ).
كراهيَةُ نَظَرِ أهْلِ الفَضْلِ مِن النَّاسِ علامةُ الإثمِ، بشَرْطِ أنْ يكونَ دافعُ كَرَاهِيَتِهِ دِينيًّا، لا كَرَاهيَةً عاديَّةً.
وإذا اجتمعَ عندَ الفعلِ كراهيَةُ نظرِ النَّاسِ معَ القلقِ والاضطرابِ النَّفسيِّ وعدمِ اطمئنانِ القلبِ كانَ هذا مِنْ أَوْضَحِ مَراتبِ مَعرفةِ الإثمِ، وخاصَّةً عندَ الاشتباهِ.
قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ) . معنى هذا أنَّ ما لمْ تَطْمَئِنَّ لهُ القلوبُ مِن الفتوى فهوَ إِثْمٌ، وإنْ أَفْتَاهُ المُفْتُونَ بأنَّهُ ليسَ بإثمٍ؛ لأنَّهُم يُصْدِرُونَ فَتَاوَاهُمْ على ظاهرِ الأمورِ لا بَوَاطِنِهَا، والإنسانُ أَعْلَمُ بباطنِهِ مِنْ غيرِهِ.
وهذا يكونُ لِمَنْ نَوَّرَ اللهُ قلبَهُ بنورِ الإيمانِ، ومَنَّ عليهِ بطَهارَةِ النَّفْسِ.
وتكونُ فتوى المفتِي لهُ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ أوْ مَيْلِ هوًى مِنْ غيرِ دليلٍ شرعيٍّ.
(1) في شرح مسلم: أي تحرك فيه وتردد، ولم يشرح له الصدر، وحصل في القلب منه الشك وخوف كونه ذنبا (5/ 419) .
(2) الوافي في شرح الأربعين النووية 193.