كَانَ ردًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ القَدَرَ، وزَعَمَ أنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ، بِمَعْنَى: أنَّهُ مُستَأْنَفٌ، لَم يَسْبِقْ لَه سابقُ قَدَرٍ مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ.
وَلَقَدْ غَضِبَ ابنُ عمرَ مِن مَقالَتِهِم غَضَبًا شَديدًا، وأَغْلَظَ لَهُم الْقَوْلَ، وَتَبَرَّأَ مِنْهُم، وبيَّنَ بأنَّ أعمالَهُم مَردودةٌ عَلَيْهِم، لا تُقْبَلُ مِنْهُم إِلا بإيمانِهِم بالقَدَرِ.
والإيمانُ بالقَدَرِ يَكُونُ عَلَى وَجهينِ، كَمَا بيَّنَ العُلماءُ:
1 -التَّصديقِ بأنَّ اللَّهَ جلَّ وَعَلا سَبقَ فِي علمِهِ مَا يَعمَلُهُ عِبادُهُ مِن خَيْرٍ وشرٍّ، وطاعةٍ ومعصيَةٍ، قَبْلَ إيجادِهِم، ومَنْ هُو مِنْ أَهْلِ السَّعادةِ، ومَنْ هُو مِنْ أَهْلِ الشَّقاءِ، ودَوَّنَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ المحفوظِ. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) )قَالَ: (( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) ) (1) .
وأعمالُهُم لا بدَّ أَنْ تَكُونَ مطابِقةً لِمَا كتَبَهُ اللَّهُ عليهِمْ جلَّ وَعَلا، وتَجْرِي عَلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ سبحانَهُ.
ولقدْ نَفَى غُلاةُ القَدَرِيَّةِ كمَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ، وعمرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وغيرِهِم هَذَا، وخالَفوا مَا عَلَيْهِ سَلَفُ الأمَّةِ، فضَلُّوا سَوَاءَ السَّبيلِ. وذَهَبَ أَحْمَدُ والشَّافعيُّ، وغيرُهُم مِن أئمَّةِ الإِسْلامِ إِلَى الْقَوْلِ بتكفيرِ مَن أَنْكَرَ العِلْمَ الْقَدِيمَ.
2 -إنَّ اللَّهَ جلَّ جلالُهُ خَلَقَ أفعالَ العِبادِ كلَّهَا، مِنْ كُفْرٍ وإيمانٍ، وطاعةٍ ومَعصيَةٍ، وشاءَهَا منهُم، قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 37] .
هذا مُعتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وخالفَهُم بِذَلِك القَدَرِيَّةُ، الَّذين بدأَتْ بِدْعَتُهُم فِي أواخرِ زمَنِ الصَّحابةِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُم؛ لِذَلِك لَمَّا أُخْبِرَ ابنُ عمرَ بخَبَرِهِم قَالَ لِمَنْ أخبرَهُ: (إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُم أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وأنَّهم بُرَآءُ مِنِّي، والَّذي يَحْلِفُ بِه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عمرَ، لَو أنَّ لأحدِهِم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْه حتَّى يُؤْمِنَ بالْقَدَرِ) (2) .
(1) رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - (5/ 509) .
(2) رواه مسلم (1/ 132) ، كتاب الإيمان - إثبات القدر.