فهرس الكتاب
فقالَ مَعْنٌ: (السَّلامُ خَيْرٌ، وليسَ في تَرْكِهِ ضَيْرٌ) (1) .
فقالَ الأعرابيُّ:
سأَرْحَلُ عنْ بلادٍ أنتَ فيها ولوْ جارَ الزَّمانُ على الفقيرِ
فقالَ مَعْنٌ: (إنْ جاورْتَنَا فَمَرْحَبًا بالإقامةِ، وإنْ جَاوَزْتَنَا فمَصحوبًا بالسَّلامَةِ) .
فقالَ الأعرابيُّ:
فجُدْ لي يا ابنَ (2) ناقصةٍ بمالٍ فإنِّي قدْ عَزَمْتُ على الْمَسيرِ
فقالَ مَعْنٌ: (أَعْطُوهُ ألفَ دِينارٍ تُخفِّفْ عنهُ مَشاقَّ الأسفارِ) .
فأَخَذَهَا وقالَ:
قليلٌ ما أَتَيْتَ بهِ وإنِّي لأَطْمَعُ منكَ في المالِ الكثيرِ
فَثَنِّ فقدْ أتاكَ الْمُلْكُ عَفْوًا بِلا عَقْلٍ ولا رَأْيٍ مُنيرِ
فقالَ مَعْنٌ: (أعطُوهُ أَلْفًا ثَانِيًا كيْ يكونَ عَنَّا راضيًا) .
فتقدَّمَ الأعرابيُّ إليهِ وقبَّلَ الأرضَ بينَ يديهِ وقالَ:
سَأَلْتُ اللهَ أنْ يُبْقِيَكَ دهرًا فمالَكَ في البَرِيَّةِ منْ نظيرِ
فمنكَ الجُودُ والإفضالُ حقًّا وفيضُ يَدَيْكَ كالبحرِ الغَزيرِ
فقالَ مَعْنٌ: (أَعْطَيْنَاهُ على هَجْوِنَا أَلْفَيْنِ، فلْيُعْطَ أَرْبَعَةً على مَدْحِنَا) .
قالَ الأعرابيُّ: (بأبي أيُّهَا الأميرُ ونفسي؛ فأَنْتَ نسيجُ وَحْدِكَ في الحِلْمِ، ونَادِرَةُ دَهْرِكَ في الْجُودِ، {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ولقدْ كُنْتُ في صِفاتِكَ بينَ مُصدِّقٍ ومُكَذِّبٍ، فلمَّا بَلَوْتُكَ صَغُرَ الخبرُ(3) ، وأَذْهبَ ضَعْفَ الشَّكِّ قُوَّةُ اليقينِ، وما بَعَثَني على ما فَعَلْتُ إلاَّ مِائَةُ بعيرٍ جُعِلَتْ لي على إِغْضَابِكَ).
فقالَ لهُ الأميرُ: (لا تثريبَ(4) عليكَ، ووصلَهُ بِمِائَتَيْ بعيرٍ؛ نِصْفُها للرِّهَانِ والنِّصْفُ الآخَرُ لهُ).
فانْصَرَفَ الأعرابيُّ: (دَاعيًا لهُ، شاكرًا لِهِبَاتِهِ، مُعْجَبًا بأَناتِهِ) (5) .
(1) الضير: الضرر.
(2) "يا ابن ناقصة"بدلا من قوله:"يا ابن زائدة".
(3) الخبر: المخبر.
(4) لا تثريب: لا لوم عليك.
(5) بحر الأدب (3/ 263) ، قصص العرب (3/ 243) .