فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 364

فقالَ مَعْنٌ: (السَّلامُ خَيْرٌ، وليسَ في تَرْكِهِ ضَيْرٌ) (1) .

فقالَ الأعرابيُّ:

سأَرْحَلُ عنْ بلادٍ أنتَ فيها ولوْ جارَ الزَّمانُ على الفقيرِ

فقالَ مَعْنٌ: (إنْ جاورْتَنَا فَمَرْحَبًا بالإقامةِ، وإنْ جَاوَزْتَنَا فمَصحوبًا بالسَّلامَةِ) .

فقالَ الأعرابيُّ:

فجُدْ لي يا ابنَ (2) ناقصةٍ بمالٍ فإنِّي قدْ عَزَمْتُ على الْمَسيرِ

فقالَ مَعْنٌ: (أَعْطُوهُ ألفَ دِينارٍ تُخفِّفْ عنهُ مَشاقَّ الأسفارِ) .

فأَخَذَهَا وقالَ:

قليلٌ ما أَتَيْتَ بهِ وإنِّي لأَطْمَعُ منكَ في المالِ الكثيرِ

فَثَنِّ فقدْ أتاكَ الْمُلْكُ عَفْوًا بِلا عَقْلٍ ولا رَأْيٍ مُنيرِ

فقالَ مَعْنٌ: (أعطُوهُ أَلْفًا ثَانِيًا كيْ يكونَ عَنَّا راضيًا) .

فتقدَّمَ الأعرابيُّ إليهِ وقبَّلَ الأرضَ بينَ يديهِ وقالَ:

سَأَلْتُ اللهَ أنْ يُبْقِيَكَ دهرًا فمالَكَ في البَرِيَّةِ منْ نظيرِ

فمنكَ الجُودُ والإفضالُ حقًّا وفيضُ يَدَيْكَ كالبحرِ الغَزيرِ

فقالَ مَعْنٌ: (أَعْطَيْنَاهُ على هَجْوِنَا أَلْفَيْنِ، فلْيُعْطَ أَرْبَعَةً على مَدْحِنَا) .

قالَ الأعرابيُّ: (بأبي أيُّهَا الأميرُ ونفسي؛ فأَنْتَ نسيجُ وَحْدِكَ في الحِلْمِ، ونَادِرَةُ دَهْرِكَ في الْجُودِ، {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ولقدْ كُنْتُ في صِفاتِكَ بينَ مُصدِّقٍ ومُكَذِّبٍ، فلمَّا بَلَوْتُكَ صَغُرَ الخبرُ(3) ، وأَذْهبَ ضَعْفَ الشَّكِّ قُوَّةُ اليقينِ، وما بَعَثَني على ما فَعَلْتُ إلاَّ مِائَةُ بعيرٍ جُعِلَتْ لي على إِغْضَابِكَ).

فقالَ لهُ الأميرُ: (لا تثريبَ(4) عليكَ، ووصلَهُ بِمِائَتَيْ بعيرٍ؛ نِصْفُها للرِّهَانِ والنِّصْفُ الآخَرُ لهُ).

فانْصَرَفَ الأعرابيُّ: (دَاعيًا لهُ، شاكرًا لِهِبَاتِهِ، مُعْجَبًا بأَناتِهِ) (5) .

(1) الضير: الضرر.

(2) "يا ابن ناقصة"بدلا من قوله:"يا ابن زائدة".

(3) الخبر: المخبر.

(4) لا تثريب: لا لوم عليك.

(5) بحر الأدب (3/ 263) ، قصص العرب (3/ 243) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت