فهرس الكتاب
وَكَذَلِكَ: قولُهُ جلَّ وَعَلا: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [محمد: 36] والْحَصْرُ هُنَا مِن حَيْثُ آثارُهَا، وإلا قَد تَكُونُ سببًا إِلَى الخيراتِ، أَو يَكُونُ مِن بابِ التَّغليبِ للأكثرِ فِي الْحُكْمِ.
قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: (فَإِذَا وَرَدَتْ إنَّمَا فاعْتَبِرْهَا(1) ، فَإِنْ دلَّ السِّياقُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْكَلامِ عَلَى الْحَصْرِ فِي شَيْءٍ مَخْصُوصٍ فقُلْ بِهِ، وَإِنْ لَم يَدُلَّ عَلَى الْحَصْرِ فِي شَيْءٍ مَخْصُوصٍ فاحْمِل الْحَصْرَ عَلَى الإِطْلاقِ) (2) .
وهذَا الْحُكْمُ مَعَ كلِّ أدواتِ القَصْرِ المعروفةِ.
3 -والحديثُ يَشْمَلُ جَمِيعَ أفعالِ الْجَوَارِحِ: الأفعالِ والأقوالِ؛ لأنَّ البعضَ خصَّصَ الأعمالَ بِمَا لا يَكُونُ قولًا، وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ، كَمَا قَالَ ابنُ دقيقِ العيد.
كَمَا أنَّ ابنَ عباسٍ يَرَى الْقَوْلَ مِن الْعَمَلِ، وَلَم يُخْرِجْهُ كَمَا أَخْرَجَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرينَ.
قَالَ ابنُ عبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا} [المؤمنون: 100] : إنَّهُ قَوْلُ: (لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ) .
كَمَا أنَّ التَّرْكَ مِن الأعمالِ؛ لأنَّهُ عملٌ اختياريٌّ، وَهُو يَخْتَلِفُ باختلافِ النِّيَّاتِ، فَإِنْ تَرَكَ الشَّرَّ لِلَّهِ، يُثَابُ عَلَى التَّرْكِ، وَإِنْ تَرَكَ الْخَيْرَ الْوَاجِبَ بِلا عُذْرٍ فَهُو شرٌّ ويُلامُ.
ويَشهدُ لِمَا قُلْتُ قَوْلُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: (( إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً -إِلَى قولِهِ- وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً ) ) (3) .
ومفهومُهُ: إِذَا لَم يَتْرُكْ مِن أَجْلِ اللَّهِ لَم تُكتَبْ حَسَنَةً، وَإِنْ تَرَكَهَا مِن أَجْلِ الخوفِ مِن الْخَلْقِ يَأْثَمُ. وَلَكِنْ يُستَثْنَى مِن التَّرْكِ بَعْضُ الأعمالِ، كَمَا بَيَّنَ العُلماءُ، مِثْلُ:
-إزالةِ النَّجاساتِ.
-ورَدِّ الْمَضْمُوناتِ، فإنَّها لا تَتَوَقَّفُ صحَّتُها عَلَى النِّيَّةِ، وَلَكِنْ يَتَوَقَّفُ الثَّوابُ فِيهَا عَلَى نيَّةِ التَّقرُّبِ.
4 -قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) ).
هُنَا لا بدَّ مِن تقديرِ المضافِ المحذوفِ، واختُلِفَ فِي تقديرِهِ:
(1) قوله: فاعتبرها أي على إطلاقها.
(2) أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/ 67) .
(3) رواه البخاري، انظر الفتح (13/ 465) .