فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 364

ودَرْءِ الْمَضَارِّ، ولا يَصْلُحُ الذُّلُّ والافتقارُ إلاَّ للهِ وَحْدَهُ؛ لأنَّهُ حقيقةُ العِبادَةِ) (1) .

أمَّا مِنْ حيثُ سُؤالُ النَّاسِ في الأمورِ الَّتي يَقْدِرُونَ على تَحقيقِهَا مِنْ أُمُورِ الدُّنيا وَحُطَامِهَا، فوَرَدَتْ أحاديثُ كثيرةٌ تَذُمُّ المسألةَ في هذا، وتُرَغِّبُ بالتَّعفُّفِ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأِحَدِ ثَلاَثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً(2) فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ، أَوْ رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا (3) مِنْ عَيْشٍ -أَوْ قَالَ: سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ- وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ (4) حَتَّى يَقُولَ ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا (5) مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ -أَوْ قالَ: سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ- فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا )) (6) . فالحديثُ يَدُلُّ على تَحريمِ المسألةِ، وأنَّها لا تَجوزُ إلاَّ لضرورةٍ كما وَرَدَ في هذا الحديثِ وما يُقاسُ عليها منْ باقي الأمورِ.

وأثنى اللهُ على عِبادِهِ المتعفِّفِينَ الَّذينَ لا يَسألونَ النَّاسَ، قالَ تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 272] .

والنُّصوصُ في هذا الْمَقامِ كثيرةٌ، فمِنْهَا ما يَنْهَى عن المسألةِ نَهْيَ تَحريمٍ كما في الحديثِ السَّابقِ، ومِنها ما نَهَى نَهْيَ كَراهةٍ؛ مِثلُ سؤالِ بعضِ النَّاسِ رُفَقَاءَهُم حاجاتِهِم الخاصَّةَ بهم مِنْ سَيَّارةٍ وَأَوَانٍ وقَلَمٍ دُونَ حاجةٍ إلى ذلكَ.

(1) جامع العلوم والحكم 181.

(2) قال النووي:"أن يقع قتال ونحوه بين فريقين فيصلح إنسان بينهم على مال فيتحمله ويلتزمه على نفسه"، كذا في رياض الصالحين رقم الحديث 540.

(3) القوام ما يقوم به أمر الإنسان من مال ونحوه / كذا في رياض الصالحين.

(4) الفاقة: الفقر الشديد.

(5) ذو الحجا: ذو العقل والنهى والفطنة.

(6) رواه مسلم / رياض الصالحين بتحقيق الألباني / 540.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت