فهرس الكتاب
وهاتانِ كلمتَانِ جامعتَانِ، وقاعدَتانِ كلِّيَّتانِ، لا يَخْرُجُ عنهما شَيْءٌ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَثَلًا مِن الأمثالِ عَلَى الأعمالِ الَّتي صُورَتُهَا وَاحِدَةٌ ويَخْتَلِفُ صلاحُهَا وفسادُها باختلافِ النِّيَّاتِ، وكأنَّهُ يَقُولُ: سَائِرُ الأعمالِ عَلَى حَذْوِ هَذَا الْمِثالِ.
والهجرةُ حقيقتُهَا: التَّرْكُ.
والهجرةُ إِلَى الشَّيءِ: الانتقالُ إِلَيْهِ عَن غيرِهِ.
-فتَرْكُ بِلادِ الكُفْرِ إِلَى دَارِ الإِسْلامِ يُسمَّى هِجرةً وَهَذِه باقيَةٌ.
-وتَرْكُ مكَّةَ إِلَى الحبشةِ سُمِّيَ هجرةً.
-وتَرْكُ مكَّةَ أَو غيرِهَا إِلَى المدينةِ سُمِّيَ هِجرةً.
-وتَرْكُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْه وزَجَرَ سُمِّيَ هجرةً كَذَلِكَ.
فبَيَّنَ صلواتُ اللَّهِ وسلامُهُ عَلَيْهِ: أنَّ الهجرةَ تَخْتَلِفُ باختلافِ مَقَاصِدِ الْمُكَلَّفِ.
فمَنْ هاجرَ حُبًّا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ولرسولِهِ، ورَغبةً فِي التَّفقُّهِ فِي دينِهِ وإظهارِهِ حَيْثُ كَانَ يَعْجَزُ عَن ذَلِكَ فِي دِيَارِ الكُفرِ، فهذا هُو المهاجرُ لِلَّهِ ولرسولِهِ بحقٍّ.
ومَنْ كَانَ مَقْصِدُ هجرتِهِ حُظوظَ الدُّنيَا، وشهواتِها مِن: نساءٍ، ومالٍ، وجاهٍ، وَغَيْرِ ذَلِك، فحظُّهُ مِن هِجرتِهِ الدُّنيَا وحُظوظُهَا الفانيَةُ.
وقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ) )فِيهِ تحقيرٌ واستهانةٌ لِمَا طَلبَهُ مِن الدُّنيا، حَيْثُ لَم يَذْكُرْهُ بلفظٍ.
ويُقاسُ عَلَى الهجرةِ سَائِرُ الأعمالِ مِن: حَجٍّ، وعُمرةٍ، وجِهادٍ، وغيرِها، فصلاحُهَا وفسادُهَا بِحَسَبِ النِّيَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَيْهَا.
7 -كَلامُ الْعُلَمَاءِ حولَ النِّيَّةِ يَقعُ فِي وجهينِ:
أ- تَمَيُّزِ العباداتِ عَن العاداتِ، فالإمساكُ عَن الأَكْلِ:
-يَكُونُ حِمْيَةً للتَّطْبِيبِ.
-وَقَد يَكُونُ لعَدَمِ القُدرةِ عَلَى الأَكْلِ.
-وَقَدْ يَكُونُ تَرْكًا للشهواتِ لِلَّهِ عزَّ وجلَّ.
فالصَّومُ يَحتاجُ إِلَى نيَّةٍ حتَّى يَتميَّزَ عَنْ غيرِهِ.
وَكَذَلِك غُسْلُ الْجَنابةِ بحاجةٍ إِلَى نيَّةٍ حتَّى يَتميَّزَ مِن غُسْلِ التَّبرُّدِ والنَّظافةِ.
تَتميَّزُ العِباداتُ عَن بعضِهَا البعضُ، فالصَّلاةُ بحاجةٍ إِلَى نيَّةٍ حتَّى تَتميَّزَ عَن غيرِهَا مِن النَّافلةِ.
والصِّيامُ مِنْه الفرضُ، الفرضُ مِنْه: صومُ رمضانَ، والنَّذْرُ، والكفَّاراتُ.