فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 364

ظنَّ الصَّحابةُ أنَّ هذه الخواطرَ يحاسَبُ عليها المرءُ، وشقَّ عليهِمْ ذلك عندمَا نَزَلَ قولُهُ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 284] ، فنزلَ قولُهُ تَعالَى بعدَهَا: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] ، فَبَيَّنَتِ الآياتُ أنَّ ما لا طاقةَ للعبدِ به غيرُ محاسَبٍ عليهِ، ومنها خواطرُ النَّفسِ العابرةُ.

-العزائمُ المصمِّمَةُ الَّتِي استقرَّتْ في نفسِ المكلَّفِ، وهذه ضربانِ:

1 -ما كانَ منها مِن أعمالِ القلوبِ، مثلُ الشَّكِّ في الوحدانيَّةِ، أو الرسالةِ، أو القيامةِ، وهذا لا شكَّ في معاقبَتِهِ ومؤاخذَتِهِ؛ لأنَّ مَن استقرَّ في قلبِهِ ذلك يكونُ كافرًا أو منافقًا.

2 -ما لم يكنْ مِن أعمالِ القلوبِ، بلْ مِن أعمالِ الجوارحِ مثلُ الزِّنَا والسَّرقةِ والخمرِ والقتلِ، فإذا أصرَّ المكلَّفُ علَى إرادةِ ذلك ولم يباشِرِ العملَ فهذا في مؤاخذتِهِ قولانِ: فمنهم مَن قالَ يُؤَاخَذُ.

قالَ ابنُ المباركِ: سألتُ سفيانَ الثَّوريَّ: أيُؤَاخَذُ العبدُ بالهمِّ؟ فقالَ: (إِذَا كَانَتْ عَزْمًا أُوخِذَ) (1) .

وذهبَ إلَى هذا القولِ كثيرٌ مِن علماءِ الحنابلةِ، واستدلُّوا بقولِهِ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: 235] .

وقولِهِ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] .

وحَمَلُوا قولَهُ عليهِ السَّلامُ: (( إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ ) ) (2) علَى خَطراتِ النَّفسِ، وقالُوا: ما أكنَّهَ العبدُ وعقدَ عليهِ قلبَهُ فهو مِن كسبِهِ وعملِهِ؛ فلا يكونُ معفُوًّا عنهُ (3) .

(1) جامع العلوم والحكم، ص 335.

(2) البخاري كتاب العتق (3/ 119) .

(3) جامع العلوم والحكم، ص 335.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت