فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 364

وقالَ أبو يزيدَ البسطاميُّ: خضنَا بحرًا وقفَ الأنبياءُ بساحلِهِ وأفضلُ الأولياءِ بعدَ أنبياءِ اللهِ ورسلِهِ هم صحابةُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصفَهُمُ اللهُ في كتابِهِ فقالَ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29] .

فالصَّحابةُ رَضِي اللهُ عَنْهُم همُ النَّموذجُ السَّامِي في تحقيقِ الولايَةِ للهِ عزَّ وجلَّ، فمَن يُرِدِ الوصولَ لرضوانِ اللهِ عزَّ وجلَّ فعليهِ أنْ يَقتديَ بهؤلاءِ.

وأولياءُ اللهِ تعالَى ليسَ لهم علاماتٌ خاصَّةٌ وشعاراتٌ يَرفعونَهَا، قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ: (وليسَ لأولياءِ اللهِ شيءٌ يَتميَّزونَ به عن النَّاسِ في الظَّاهرِ مِن الأمورِ المباحاتِ، فلا يَتميَّزُونَ بلِباسٍ دونَ لباسٍ، ولا بحلقِ شعرٍ أو تقصيرِهِ أو ضفرِهِ، إذا كانَ كلاهُمَا مباحًا، كما قيلَ: كمْ مِن صِدِّيقٍ في قِباءٍ، وكم مِن زِنديقٍ في عَباءٍ) (1) .

الأولياءُ غيرُ معصومينَ، قالَ تعالَى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الزمر: 33 - 35] ، فهذه الآيَةُ وصفٌ لأولياءِ اللهِ، وفيها أنَّ اللهَ سيجازِيهِمْ أجرَهُمْ علَى أحسنِ ما عملُوا، وذلكَ مقابلَ توبتِهِمْ مِن أسوأِ ما عملُوا، فأثبتَتِ الآيَةُ أنَّ الأولياءَ مِن غيرِ الرُّسلِ قد يقعُونَ في بعضِ الأخطاءِ.

وممَّا يشهدُ لذلِكَ أنَّ أفضلَ أولياءِ اللهِ بعدَ الرُّسلِ - وهم الصَّحابةُ - قد

(1) نقلا عن محاسن التأويل للقاسمي (9/ 3372) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت