فهرس الكتاب
-قالَ الطِّيبِيُّ: ليسَتْ [أو] للشَّكِّ بل للتَّخييرِ والإباحةِ، والأحسنُ أن تكونَ بمعنَى [بلْ] ، فشبَّهَ النَّاسكَ السَّالكَ بالغريبِ الَّذي ليسَ له مسكنٌ يُؤْويهِ، ولا مسكنٌ يَسْكُنُهُ، ثمَّ ترقَّى وأضربَ عنه إلَى عابرِ السَّبيلِ؛ لأنَّ الغريبَ قد يسكنُ في بلدِ الغربةِ بخلافِ عابرِ السَّبيلِ القاصدِ لبلدٍ شاسعٍ وبينهُمَا أوديَةٌ مُرديَةٌ، ومَفَاوُزُ مُهْلِكَةٌ، وقطَّاعُ طريقٍ، فإنَّ مِن شأنِهِ أن لا يقيمَ لحظةً ولا يَسْكُنَ لَمْحَةً.
وقالَ ابنُ بطَّالٍ: (لمَّا كانَ الغريبُ قليلَ الانبساطِ إلَى النَّاسِ، بل هو مستوحِشٌ منهم إذْ لا يكادُ يمرُّ بمَن يعرِفُهُ فيستأنِسَ به، فهو ذليلٌ في نفسِهِ خائفٌ، وكذلك عابرُ السَّبيلِ لا ينفذُ في سفرِهِ إلاَّ بقوَّتِهِ عليهِ، وتخفيفِهِ مِن الأثقالَ غيرَ متثبِّتٍ بما يمنعُهُ مِن قطعِ سفرِهِ، معه زادُهُ وراحلتُهُ يُبلِّغانِهِ إلَى بُغيتِهِ مِن قصدِهِ، شبَّهَ بهما، وفي ذلك إشارةٌ إلَى إيثارِ الزُّهدِ في الدُّنيَا وأخذِ البلغةِ منها والكفافِ، فكمَا لا يحتاجُ المسافرُ إلَى أكثرَ ممَّا يبلِّغُهُ إلَى غايَةِ سفرِهِ، فكذلك لا يحتاجُ المؤمنُ في الدُّنيَا إلَى أكثرَ ممَّا يبلِّغُهُ المحلَّ) .
وقالَ النَّوويُّ: (معنَى الحديثِ: لا تَرْكَنْ إلَى الدُّنيَا ولا تَتَّخِذْهَا وَطَنًا، ولا تُحَدِّثْ نفسَكَ بالبقاءِ فيها، ولا تَتعلَّقْ منها بما لا يَتعلَّقُ به الغريبُ في غيرِ وطنِهِ) .
-كما ذكرَ الحافظُ قولين لاثنينِ مِن العلماءِ لم يَذْكُر اسْمَيْهِمَا:
الأوَّلُ: عابرُ السَّبيلِ هو المارُّ علَى الطَّريقِ طالبًا وطنَهُ، فالمرءُ في الدُّنيَا كعبدٍ أرسلَهُ سيِّدُهُ في حاجةٍ إلَى غيرِ بلدِهِ فشأنُهُ أن يبادرَ بفعلِ ما أُرْسِلَ به ثمَّ يعودَ إلَى وطنِهِ ولا يَتعلَّقَ بشيءٍ غيرِ ما هو فيهِ.
الثَّاني: وقالَ غيرُهُ: المرادُ أنَّ للمؤمنِ نفسِهِ في الدُّنيا مَنْزِلَةَ الغريبِ؛ فلا يُعلِّقُ قلبَهُ بشيءٍ مِن بلدِ الغربةِ، بل قلبُهُ متعلِّقٌ بوطنِهِ الَّذِي يرجعُ إليهِ، ويجعلُ إقامَتَهُ في الدُّنيَا ليقضيَ حاجَتَهُ وجهازَهُ للرُّجوعِ إلَى وطنِهِ، وهذا شأنُ الغريبِ، أو يكونُ كالمسافرِ لا يَستقرُّ في مكانٍ بعينِهِ، بل هو دائمُ السَّيرِ إلَى بلدِ الإقامةِ.