وأذكر لك مثلا ورد على لسان أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء- كما ينعته الحموي في معجم أدبائه قاصدا به التوحيدي- في كتابه (المقابسات) حيث عرض هذا الأخير محتوى رسالة له في حدود الأشياء ورسومها على شيخه أبي سليمان السجستاني فقال له شيخه: «إذا استقام لك عمود المعنى في النفس بصورته الخاصّة فلا تكترث ببعض التقصير في اللفظ. فقال: وليس هذا مني تساهل في تصحيح اللفظ واختلاف الرونق وتخيّر البيان، ولكن أقول متى جمح اللفظ ولم يوات، واعتاص ولم يسمح، فلا تفت نفسك حقائق المطلوبات، وغايات المقصودات، فلأن تخسر صحة اللفظ الذي يرجع إلى الاصطلاح أولى من أن تعدم حقيقة الغرض الذي يرجع إلى الإيضاح» .
ذلك حقا هو القول الفصل الذي يؤكّد لنا أنّ دلالة المعنى كانت أهمّ لديهم من دلالة اللفظ!.
فلو جاوزنا حدود ما ذهب إليه التوحيدي، لوجدنا أنّ بعضهم أثار مشكلة الألفاظ. وهل هي موضوعة بازاء الصور الذهنية، أو بإزاء الماهيّات الخارجية؟ .. وهي قضية من إشكالات المدرسة الرواقية على الفكر الارسطوطالي- ولقد اخترنا لك موقف جلال الدين السيوطي (849 - 911 ه) حيث يذهب إلى أنّ مواقف اللغويين تباينت في هذا السبيل؛ فهناك من يرى بأنّ اللفظ يتغيّر بحسب تغيّر الصورة في الذهن .. وآخر يرى أنّ اللفظ موضوع بازاء المعنى من حيث هو، مع قطع النظر عن كونه ذهنيا أو خارجيا- فإنّ حصول المعنى في الخارج والذهن من الأوصاف الزائدة على المعنى!.
واللفظ إنّما وضع للمعنى من غير تقييده بوصف زائد».
في ضوء هذين الاتجاهين اللّذين ذكرنا، كانت محاولات أصحاب اللغة في