فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 636

بناء دلالة المعنى التعريفي للأشياء؛ سواء ما كان منها مفردا أو مركّبا- ورغم ذلك، فإنّهم كانوا يتسمّحون فيه، فيخلّون ببعض رتبه ودرجاته.

والذي يهمنا بيانه، في هذا السياق، هو أنّ فلاسفتنا- رغم غلبة طبيعة المضمون على الشكل لديهم كما بسطنا- فإنّ بعضهم أجاز لنفسه الخروج بصياغات لحدوده ورسومه تبلغ صورة الشرح الشامل؛ بحيث تكون أعمّ شمولا من المقصود بالتعريف أو الحدّ، وأكثر بعضهم من الاستطراد والتوسّع في القول والإيضاح معا. وقد خرج آخرون على صيغة التحديد الى تفريعات لا تدخل أساسا في مضمون اللفظ المعرّف؛ بل هي أقرب إلى كونها رغبة ومحبة في الإطالة؛ أو لعلها- إذا أحسنا الظنّ- هي سمة هدفها الحرص على تقديم ما يحيط بجوانب المصطلح: حدّا وتعريفا ورسما!.

ولم يكتف أولئك بما قدّموه في هذا المجال، بل أضافوا إليه وسائل تقي الباحث من الوقوع في متاهات التحديد أو التعريف؛ حيث ينبغي له أن يعصم نفسه فلا تزل به القدم فينزلق الى استعمال ألفاظ المجاز والاستعارة أو الكلمات الغريبة والآبدة في عملية التعريف، بل يجب عليه أن يخترع الكلمة أو اللفظة التي يريد عند ما يجد الحاجة إليها أمرا ضروريا. ويتجنب تعريف الشيء بمثله؛ فتلك متاهة لا خير فيها ولا قيمة لها. وكذلك عليه الّا يعرّف الشيء بما هو أخفى من الشيء ذاته وأقلّ منه وضوحا، ويبتعد عن تعريف الشيء بما لا يعرف إلّا بالشي ء؛ سواء بالإصحار أو الايماء. وأخيرا يجب أن لا يكرّر الشيء نفسه في الحدّ، في الوقت الذي لا يجد مبرّرا لهذا التكرار!.

ترى أ ليس في وسائلهم الوقائية هذه، ما يشبه قواعد باسكال الست التي اشترطها في التعريف الصحيح؟. ولعله استعارها من فكرنا العربي، دون الاشارة الى منبعها الأصيل! تلك هي (وقفة) من مآثر حضارتنا الإنسانية ومعالمها المتألّقة، لا يمكن التنكر لها أو غضّ الطرف عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت