في الوقت الذي يتميّز به ابن جنّي بعمق اقتناصه لأطراف المعاني قبل دلالاتها الشكلية! ..
أقول هذا، لعلمنا بأنّ ثمّة وقفة أخرى مثّلها الفلاسفة العرب الذين رفضوا- كالفارابي وابن سينا- هذا النحو من التعريف المعجمي الذي لا يحقّق في نظرهم، صدق الدلالة المطلوبة .. ومن هنا لم يبرموا أيضا فروع هذا التعريف كالتمثيل والمحاكاة والترادف، لأنّها ليست طريقة تقود إلى الحدّ الحقيقي، «و قد يقع فيها الغلط كثيرا» كما يقول الشيخ الرئيس ابن سينا.
والذي تجدر ملاحظته هنا لأهميته هو كيف أنّ الحاجة الثقافية، في حضارة مزدهرة كحضارة الإسلام، دفعت بالباحثين الى محاولة استقصاء التعريفات الحقيقية، فقدّم رجالها المتخصّصون مجموعة من أعمالهم الممتازة، فكان منها كتاب مفاتيح العلوم للخوارزمي محمد بن أحمد (ت 387 ه) وكتاب التعريفات للجرجاني (ت 816 ه) وكتاب الكلّيات لأبي البقاء الكفوي (ت 1095 ه) - ورسائل جمّة عن الحدود؛ كان آخرها الكتاب الضخم للتهانوي (ت 1158 ه) في كشّاف اصطلاحاته وفنونه ..
فكأنّ هؤلاء العلماء كانت تسري بين جنوبهم روح متأصلة تتمسك بدلالة المعنى لا بصوريّة اللفظ، وبالمضمون لا بالشكل، وقد حقّقوا بذلك الهدف الأصيل الذي يبدأ به العلم بمقدماته ومبادئه من حيث لا سبيل إليهما إليهما إلّا بالتعريفات والحدود.
ولا تفوتني، وأنا في سبيل تأطير بعض هذه الأعمال المبدعة، الإشارة إلى ما قدّمه (علم الأصول) في مباحث الألفاظ من حدود وتعريفات دقيقة ذات مغزى فلسفي وكلامي؛ خاصّة في رفضه لنظرية الحدّ الارسطوطالية وتقرير أن لا وجود لحدّ يمكنه أن يحصر الأمور الذاتية أو أن يصل إلى الماهيّة بالمفهوم الذي