فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 636

الحدّ في رأيهم يدلّ على ماهيّة الشي ء، ويتركب بالضرورة من الجنس القريب والفصل النوعي، ويتميّز بأنّه لا يكتسب بقياس شرطي يوضع فيه حدّ أحد الضدّين فيستنتج به حدّ الضدّ الآخر؛ لأنّ في هذا مصادرة على المطلوب. بل هو، في تصوّرهم، لا يقتنص بالاستقراء ولا يبيّن بقياس؛ لأنّ الذي يعلم الحدّ يعلم وجود الشيء المحدود، فإذا فرضنا أنّ الحدّ يبيّن بالبرهان، فهل يبرهن وجود الشيء في الوقت نفسه؟ .. بينا نحن نعلم أنّ وجود الشي ء، في مذهب معظم الفلاسفة، ليس جزءا من ماهيّته!. فلا سبيل إذن إليه لا بقياس ولا استقراء؛ فلا بدّ عندئذ من أن يكتسب الحدّ بالتركيب.

أما التعريف فيقصد به تحصيل صورة الشيء في الذهن أو توضيحها. مع التمييز في العملية ذاتها بين الذي يعرّف (مع) الشي ء، والذي يعرّف (به) الشي ء- فالأوّل «إذا استتمت المعرفة بتوافي المعرّفات للشيء مما عرف الشيء وعرف هو معه. ولا تكون المعرفة به تسبق معرفة الشيء حتى يعرف به.

فذلك لا يكون جزءا من جملة تعريف الشي ء» وبالنسبة إلى الثاني، فهو ممّا يعرف بنفسه، ويصير جزءا من تعريف الشي ء؛ إذا أضيف إليه جزء آخر توصل الى معرفة الشيء ..

ومن هنا مال هؤلاء الى القول بأنّ الذي يتعرف (به) الشيء هو أقدم تعرّفا من الشيء ذاته، والذي يتعرّف (معه) الشيء ليس أقدم معرفة منه ..

والأمر الرئيس فيما قررناه من موقفهم هذا هو: أنّ كلّ حدّ تعريف، وليس كلّ تعريف حدّا.

ومن طريف ما يورده عثمان بن جنّي عن (الشي ء) قوله: «الشيء إنّما يعرّفه غيره؛ لأنّه لو كانت نفسه تعرّفه لما احتاج أبدا أن يعرّف بغيره؛ لأنّ نفسه في حالي تعريفه وتنكيره واحدة؛ موجودة غير مفتقدة. ولو كانت نفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت