هي المعرّفة له أيضا لما احتاج إلى اضافته إليها، لأنّه ليس فيها إلّا ما فيه، فكان يلزم الاكتفاء به عن اضافته إليها ... فقد تقول: مررت بزيد نفسه، وهذا نفس الحقّ؛ يعني أنّه هو الحقّ لا غيره. قيل: ليس الثاني هو ما أضيف إليه من المظهر؛ وإنّما النفس هنا بمعنى خالص الشيء وحقيقته. والعرب تحلّ (نفس الشي ء) من (الشي ء) محل البعض من الكل، وما الثاني منه ليس بالأوّل، ولهذا حكوا عن أنفسهم ومراجعتهم إياها وخطابها لهم كقول شاعرهم:
أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يديّ أصابتني ولم ترد».
حقّا إنّ ابن جنّي في حديثه هذا؛ وضع أنامله على أصول في غاية الأهمية، تقرّبه إلى الجانب الفلسفي، بقدر ما تبعده عن الناحية الشكلية في المفهوم .. ويتميّز موقفه أيضا بتنظير لغوي متين وبليغ، خاصّة في تأكيده بأنّ دلالة المعنى لاحقة بعلوم الاستدلال، وليست في حيّز الضروريات، لأنّ «دلالة المثال على الفاعل من جهة معناه لا من جهة لفظه»
في هذه المرحلة من خطوات الطريق، لا بدّ لنا من العودة إلى استقصاء البواكير الأولى في محاولتهم تحديد وتعريف اللفظ الفلسفي وصياغة مضامينه وتنظير معانيه. فمن الطلائع والرّواد في هذا المضمار جابر بن حيان (ت 200 ه) العالم والفيلسوف والمتصوّف- حيث أشار في مأثور رسائله العلمية الى أنّ الغرض من الحدّ هو «الإحاطة بجوهر المحدود على الحقيقة حتى لا يخرج منه ما هو فيه، ولا يدخل فيه ما ليس منه. ولذلك صار لا يحتمل زيادة ولا نقصانا؛ إذ كان مأخوذا من الجنس والفصول المحدثة للنوع التي تساعد على