عصره، بل هو الرائد حقا في نحت الألفاظ العتيدة يوم لم يكن في قدرة الباحث العربي أن يبني اللفظ بمعناه الحقيقي الدالّ عليه إلّا في الأقل النادر- وتلك لعمري براعة امتاز بها الكندي وامتازت بها العربية في تقبلها للموقف الجديد؛ حيث قلّد الكندي من بعده جل فلاسفة الإسلام، فدونوا رسائل فلسفية عن الحدود والرسوم أشرنا إليها في المقارنة.
وليس عسيرا على القارئ أن يسبر بنفسه غور وأصالة هذه الثروة من المصطلحات ودلائلها وحاجتها الماسّة اليوم إلى قيام مقارنات تاريخية وفيلولوجية وسيمانطقية، كما بسطنا سابقا. وتلك في نظري (وقفة) ينبغي أن يتبناها مثقفونا في المستقبل القريب.
وأعود إلى ثالث الثلاثة، وهو الأستاذ الرئيس ابن سينا (ت 428 ه) - حيث لعب دوره في هذا البناء بكل دقة ومهارة، متمثلا خطى استاذه الفارابي في التعريف، أو ما اصطلح عليه أحيانا ب (القول الشارح) الذي يتعين بالاسم والحدّ والرسم، محاولا وضع تنظير معيّن لنظرية التعريف ووسائلها خاصة في رسالته الموسومة ب (الحدود) وفي كتابه (منطق المشرقيين) حيث سلك الطريقتين اللاحبتين في الفكر وهما: التحليل والتركيب؛ ففي التحليل نتوصل إلى العناصر الأساسية في التحديد أو التجربة أو الواقعة؛ فنقدّم شيئا جديدا في الرؤية التي نريد أو التعريف الذي نصوغ ونقصد. وفي التركيب حال أخرى؛ نعتمد فيها التدرّج من البسيط الى ما هو أكثر تعقيدا من القضية المحدّدة الى نقيضها المعرّف، ومن الأحكام النسبية الى أحكام أشدّ وأبعد ضرورة. وبهذا نبني التعريف أو الحدّ، سواء كان كلّيا مجردا، أو مركّبا مع أجزائه- ففي الحالين لا يتمّ التعريف إلّا بطريق الجزء الذي يدلّ على الكلّ، وبوسائله الخاصّة التي وضع ابن سينا منهجها مستعينا بأفكار المشائبة ومواقفها تارة، وبتنظيراته واجتهاداته تارة أخرى.
ويبدو لنا أنّ الشيخ الرئيس شعر بعبء المهمة التي أخذ على عاتقه تحقيق