فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 636

غاياتها؛ لذا نجده يسجل، بشكل واضح وصريح، تعذّر الوصول إلى التعريف السليم الذي لا تشوبه شائبة النقص أو التحريف، لأنّ حدّ الشيء في رأيه أو تعريفه «كالأمر المتعذّر على البشر، سواء كان تحديدا أو رسما، وانّ المقدم على هذا بجرأة وثقة لحقيق أن يكون (إقدامه) من جهة الجهل بالمواضع التي منها تفسد الرسوم والحدود» - مؤكدا، في الوقت ذاته، عمق خبرته المنطقية فيما يقرّره من أحكام تتناول طرائق الحدّ والتعريف ونقدهما؛ من حيث أنّ أكثر ما تحدّ به الأشياء الظاهرة لنا ليست هي بحدود علمية صادقة؛ لأن أكثر أجناسها المحمولة عليها هي في حقيقتها لوازم عامة غير الأجناس، أي ما دعوناه ب (التعابير الاصطلاحية) - وإذا أردنا أن نحدّدها بلوازمها وخواصّها فينبغي، قبل كل شي ء، أن تكون تلك اللوازم والخواص، كما يعتقد ابن سينا، بيّنة الوجود في الأشياء المتحرّكة، أو الثابتة على حدّ سواء.

ولنعد، بعد هذا الذي قلناه، نذكر رأي الأستاذ الرئيس في دلالة التعريف؛ فهو: «فعل شيء إذا شعر به شاعر تصوّر شيئا ما هو المعرّف، وذلك الفعل قد يكون كلاما أو قد يكون إشارة» . سواء ما كان منه تعريفا حقيقيا، أي تحصيل ما ليس بحاصل من التصورات، أو تعريفا لفظيا؛ وهو الإشارة الى تصوّر حاصل في الذهن فحسب .. وبهذا؛ فالتعريف إذن يشمل جميع المعاني الذاتية للشيء بما يدلّ عليه دلالة «مطابقة» كدلالة الحيوان على جملة الجسم ذي النفس أو الحسّاس، أو دلالة «تضمّن» كدلالة لفظة الحيوان على الجسم- مؤكّدا الى جانب ذلك أهميّة المعاني مقرونة بألفاظها؛ لأنّ الكلام على الألفاظ المطابقة لمعانيها كالكلام على معانيها؛ ولكن وضع الألفاظ في رأي ابن سينا أحسن عملا .. فكأنّ الفيلسوف في موقفه هذا يتنبأ- كما يقول الدكتور إبراهيم مدكور- بالمنطق الرياضي قبل ظهوره بعدة قرون!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت