من هذه الصورة المكثّفة الموجزة التي قرّرناها عن طبيعة الحدود ودلائلها عند أبي نصر، نلمس التأثير الواضح الذي طبع به الفيلسوف مواقف ابن سينا في نظرية التعريف التي بسطناها من قبل، رغم أن الأخير منهما أسهب في الكلام عليها تفصيلا وتنظيما وتحديدا، بما فاق به جميع فلاسفة الإسلام من الخلف والسلف على السواء!.
أمّا بعد؛ فما ذا نأخذ وما ذا ندع من هذه الموسوعة الفلسفية الضخمة التي أورثها الفارابي أجياله ومحبيه؟. ذلك هو الخيار الصعب الذي حاولنا أن نضع أنفسنا أمامه وجها لوجه في تحقيق الإجابة عنه. فمخضنا، بعد أن صحت العزيمة منّا، ما بين أيدينا من تراث أبي نصر المخطوط منه والمطبوع، فكانت الولادة الجديدة لهذا العمل الجديد، وكان الوليد هذا- بكل مخائله وشمائله .. لا يعدو لغة أبيه الفارابي وسلامة لسانه ودقة عبارته: مختارة كانت، أم مستقلة، أم متلاحمة، ممّا صاغه الفيلسوف في ثنايا أعماله وبنات أفكاره.
ونحن لا نستبعد أنّنا تجاوزنا، أحيانا، قواعد التعريف والحدود إلى ما يشبه الوصف اللفظي من خصائص الشيء ومميّزاته. وكان الغرض من كلّ ذلك أن نقرّب مواقف الفارابي للباحثين؛ كي يبدو من خلالها أنّه حقا فيلسوف المعاني والألفاظ، لا ينازعه في ذلك منازع من المفكرين في الإسلام .. ولست في تجاوزي هذا ابتعدت كثيرا عن مفهوم نظرية التعريف بما ندركه في العصر الحاضر من أنها عملية توضيح كلمات، سواء كان هذا التوضيح رياضيا أو لغويا أو سيما نطيقيا.
وإنني لا أدعي لنفسي بلوغ الكمال في عملي هذا، ولكنه جهد المقلّ، وجهد المقلّ عزيز على نفس صاحبه؛ لما يتميّز به من اخلاص ونفاذ رؤية ودقة تمحيص .. ولم يخل الطريق من مصاعب ومتاعب، ولكن صاحبي ورفيقي الفارابي كان يعبق بروحه ويشيع حوالي نور بصيرته، ففتح بذلك معالم