وأسوق لك مثلا واحدا هو شهاب الدين السهروردي (549 - 587 ه) في رفضه للموقف المشائي في التعريف حيث يقول: «من ذكر ما عرف من الذاتيات، لم يأمن وجود ذاتي آخر غفل عنه. وللمستشرح أو المنازع أن يطالبه بذلك. وليس للمعرّف حينئذ أن يقول: لو كانت صفة اخرى لا طلعت عليها؛ إذ كثير من الصفات غير ظاهرة، ولا يكفي أن يقال: لو كان له ذاتي آخر ما عرفنا الماهيّة دونه. فيقال إنّما تكون الحقيقة عرفت إذ عرفت جميع ذاتياتها، فإذا انقدح جواز ذاتي آخر لم يدرك، لم تكن معرفة الحقيقة متيقنة.
فتبيّن أنّ الإتيان على الحدّ، كما التزم به المشاءون، غير ممكن للإنسان.
وصاحبهم اعترف بصعوبة ذلك».
ولا نعدم- لو أردنا الإطالة- أمثلة شبيهة بهذا الموقف؛ كان للمفكرين المسلمين رؤية عميقة وأصيلة نحوه. فلأبي البركات البغدادي (ت 547 ه) مثلا تقسيم انفرد فيه بين مناطقة السلف والخلف- حيث وضع للأقاويل المعرّفة أشكالا ثلاثة هي: الحدود والرسوم والتمثيلات، وقصد بالدلالة الأخيرة «إنّها تعريف الشيء بنظائره وأشباهه، والكلّي المعقول بجزئياته وأشخاصه» . ولم تخل محاولاته المنطقية من نقد لاذع وطريف للأرسطوطالية ومنهجها في التعريف والحدّ.
ولابن تيميّة (ت 728 ه) في هذا المجال مناقشة هادفة في رفض عملية تصوّر الحدود التي ذهب إليها المناطقة، حيث دفع الرجل في دحضها بستة عشر وجها، يتميّز أكثرها بالنظر الصائب وسلامة السبيل