وليس يمكن، فيما أعتقد، أن تكون حضارة مزدهرة متألقة في أمّة من الأمم؛ ما لم تواكبها جنبا الى جنب حضارة (المصطلح العلمي) الذي يكوّن بحدّ ذاته الإطار العام لفكر تلك الأمّة وعقلانيتها وتقدمها الإنساني، كي تتبلور لها عندئذ سمات الثقافة الحقّة في مضامير حياتها المتشعبة، لتصل في النهاية إلى تحقيق غاياتها المثلى في النظر والعمل معا لبناء صرحها الحضاري الشامخ ..
فكلّما أحسنت الأمّة الدّقة والرؤية والعمق في تعريفاتها وتحديداتها ورسومها؛ بدت أكثر تألقا ونضارة على غيرها من الأمم المعاصرة لها ... ولا نفتقر إلى الأمثلة الواقعية على هذا الذي نقول؛ فلقد أوجزنا في حديثنا السابق الجهد الذي أنجزته حضارة اليونان في هذا السبيل كي تصل إلى مفاور هذه المعرفة! ..
ولقد كان من نصيب حضارتنا العربية في مرحلة تفتحها وفي عصر التنوير الفكري؛ أن حقّقت أيضا ما حقّقته أمم من قبلها- فعمل رجالها ومفكروها على صياغة المصطلح العلمي بما تيسّر لهم يومذاك من أدوات اللغة ومفرداتها مقرونة بطبيعة التطلّع إلى الاشتقاق والترادف والبناء الجديد لمفاهيم في العلم، كان الناس فيما ثقفوه من معارف الغرب والشرق الوافدة عليهم مترجمة أو معرّبة، في مسيس الحاجة إلى صياغتها وتحديد مضامينها وأشكالها.
ولقد كان للعربية موقفها الصريح والدقيق نحو هذا الجديد، فبقدر ما توسعت في الاشتقاق والمجاز- كما تقول الدكتورة عائشة عبد الرحمن- «ضيّقت باب الأخذ من الدخيل صونا للسانها، فاستغنت الى أقصى مدى؛ بتطويع الألفاظ الفصحى، لكي تؤدي المعاني الجديدة على وجه التجوّز، ولم تلجأ إلى استعارة الدخيل إلّا عند الضرورة القصوى، مع إخضاعه للصيغ العربية؛ إمّا بالالحاق أو بتغيير نطقه إشعارا بتعريبه، وقد استطاع علماء اللغة في عصر التدوين أن يستخلصوا قواعد لمعرفة المعرّب؛ تشهد بأنّ الأمر لم يترك لفوضى