فالمنهج الخاص، مبنيّ بناءً كاملًا على"الشِرعة"، لأنه مستنبط منها. ومن ثمّ، فلا محل لبدعة فيه، أو مكان لخروج ٍعن السنة. فالمبتدعة لا يمكن أن يشملهم"المنهج"الذي بيّنا معناه. ومن فعل ذلك فقد بسّط المنهج وأخل بمعناه، واختصره إلى عموم قبول التوحيد، وهو تخريج"لمنهج"آخر بالكلية، أعمّ من منهاجنا الذي نقصد بمستوييه، يعنى به الإسلام.
إذ قد يقال أن"المنهج"هو الذي عليه كلّ من عمل على أن يكون"الحكم لله". أو أنّ من رضي بالحاكمية وأقر بقواعد الولاء والبراء فهو على"المنهج". ذاك المنهج إذن هو قرين التوحيد، لا المنهج الذي نقصده كقرينٍ للشرعة، وكبناء قائم على السنة.
ولا نرفض هذا التأويل لكلمة المنهج، لكننا نبيّن هنا الاضطراب الذي قد يحدث بسبب عدم ضبط المصطلح بين المتناظرين. كما أننا نسجّل أنّ"المنهج"بمعناه الثاني، ليس إلا التوحيد، ورابطة الإسلام، من حيث أنّ البدعة قد أخرجت صاحبها من المفهوم الأول للمنهج، إلى المفهوم الأوسع، الذي يربطه بالتوحيد.
فإذا طبقنا هذا التفصيل على الوضع في الشام، برزت الينا مناح مختلفة، يمجها العقل وتأباها الفطرة السليمة، مع صحته في مناطات معينة. فإنه حسب"المنهج"بالمعنى الثاني، فإننا يجب أن نقف مع الرافضة الإثني عشرية إن هاجمتهم أمريكا! فإنهم، عند غالب أهل السنة، أصحاب بدعة، ليسوا كفارًا كفرًا عينيًا. وإنما هم قوم"يقتلون السنة وهم على بدعة عقدية"، كما أنهم يدعون إلى تطبيق الشريعة، ولهم فيها مذهب معتبر في الفقه. فإذا ما الذي يجعل الحرورية تختلف في حكمها عن أولئك، إذ هم"قوم يقتلون السنة، وهم على بدعة عقدية"، وهم كذلك يدعون إلى تطبيق الشريعة! فهل هناك ما يميّز الفرقتان عن بعضهما؟ ومن ثم نعينا على من توقف في تسمية الحروية باسمهم، إذ هذا خلل منهجي واضح يبين بجلاء اضطراب فهم الفرق بين الفرق، والفرق بين المناهج على حدّ سواء.
هذا بالنظر إلى الحرورية في مقابل السنة. لا أخوة منهج بينهم وبين السنة بالمعنى الأول. وهو المعنى الذي يميز السنيّ من البدعيّ.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا، بل إن من داخل أهل السنة، من تبنى فكر الغلاة، وأصبح من الغلاة، لكنه لم يصل إلى درجة ان يقاتل إخوانه علي ذلك، فإن فعل، فهو باغ، وإن كفّرهم فهو حروري.
ثم، ما انقسم اليه أهل السنة أنفسهم، في التعامل مع هؤلاء، إلى ثلاثة وجهات، وجهة هي مصدر غلو تقرب ما يمكن من الحرورية، ثم وجهتين تفترقان في التعامل معها، أولهما من يقول"هم"إخوة المنهج"، لأنهم لم يخرجوا إلى الحرورية، وأسميناهم بالحمائم. والوجهة الثانية من يقول: بل هم غلاة يجب تصحيح مذاهبهم وأفعالهم والأخذ على أيديهم قبل أن يستفحل أمرهم، ويصيروا دواعش السنة! بل يلتقون مع الحرورية على الحد الفاصل بين السنة والبدعة، يوشكوا أن يقعوا فيها، وأسميناهم بالصقور."
فالحمائم، يرون"منهج الأخوة"أصل في الإسلام،"إنما المؤمنون إخوة"، فالأخوة هي التي ترسم الطريق ليسيروا عليه كمنهج. هؤلاء هم أقرب إلى ما يمكن أن يكون"التيار الإخوانيّ"الجهاديّ. والصقور، يرون أنّ"أخوة المنهج"لا تصح مع مبتدع أو غالٍ، إنما منهج الإخوة يقوم بين أصحاب السنة، لا مع الغلاة ولا مع المبتدعين.
والحق، أنّ الحّكّم في هذا هو اعتبار المآل. فإنّ ظهور السنة، واندحار البدعة أو الغلو أصلٌ مقصود لذاته. وهو مصدر النصر ووسيلته التي لا وسيلة غيرها، وإن ظهر لصاحب النظر القصير غير ذلك. فإن وُجد ما يهدد السنة، لدرجة يُخشى معها أن تنهزم أمام الغلو والبدعة، فلا أخوة منهج، ولا منهج أخوة. بل يجب التصدي لها بالحكمة والبيان، وبالتوجيه والإرشاد، طالما