ومن ثم، وجب على هؤلاء أن ينتصحوا بهذا النصح، وأن يَنْفُضوا عن أنفسهم عوار"الحديث الصامت"، وأن يبينوا للناس ما عليهم بيانه من حقيقة موقفهم، ولو كان هو مناصرتهم لهذا التنظيم، إذ مآل موقفهم الآن هو مناصرته ولا شك. وإلا فضحوهم وإن كان ثمن ذلك حياتهم، فهكذا عرفنا عنهم، قبل هذه الفاضحة.
موقف الفصائل المُقاتلة على أرض الساحة الشامية:
ثم المقاتلون في الصف السنيّ، سواء منهم من كان على عقيدة صافية أو مخلّطة، قد تحملوا أكبر الإثم في ظهور هذا الفصيل في حقيقة الأمر. فإن انقسامهم وتعدد فصائلهم وكتائبهم وجبهاتهم، شتت شملهم وجعلهم عرضة لهجوم تنظيم موحّد تحت راية، وإن كانت باطلة، إلا أنها واحدة، لا تعدد في قرارات قادتها. هذا من أكبر الآثام التي وقعت فيها تلك الفصائل كلها بلا استثناء. وهي لا تدل إلا على أنّ عنصر الطمع الشخصي يلعب دورًا أساسًا في توجيه قادة تلك الفصائل وأمرائها، مهما ظهر أو أظهروا، للعيان غير ذلك، فالأمور تقيّم بنتائجها ومآلاتها، لا بما يظهر للعين منها بادئ الرأي.
وهذا الخلل هو الذي أدى إلى الانتشار السريع والمخيف لفصيل الدولة، وقدرتها على قتال كلّ فصيل وحده، حتى تقضي على شوكته. ولا شك أن ذلك تكتيك متخصص، بعثي الأصل، لا يقدر عليه عقل إبراهيم بن عواد، لكن، هذا لا يعفى تلك الجبهات والفصائل والجبهات من إثمها في هذا التفرق البغيض.
حتى إننا نرى كثيرا من منتمى هذه الفصائل يسير سير الدواعش في الغلو والتكفير بلا أساس، فهم من الدواعش فكرًا، لا تنظيمًا. وفي المقابل، نرى الكثير من أسخف الورع البارد الصوفيّ النزعة، الذي تأخذه في الله لومة كلّ لائم.
وحتى يكون هناك اتحاد حقيقيّ، وعمل مشترك، وشدة على أعداء الله، وتحقق بحقيقة أوصافهم وفعلهم وتوجهاتهم، وإدراك لحكم الله فيهم، ونظر إلى الآخرة وحدها، دون أن ترمق الأعين الدنيا من ركنها، فإن انتصار الحرورية وظهورهم سيظل حقيقة على الأرض، خاصة وهم لا يرقبون في مسلم إلا ولا ذمة.
عوامل أخرى ساعدت في إقامة بنيان هذا الفصيل:
-منها انخداع البعض بحقيقة مذهبهم لفترة كما انخدع صاحب هذه السطور [1] ، وغيره، إلى أن استبانت له حقيقتهم.
-ومنها الخطط الصليبية الغربية التي ساهمت في مدّ بقاء وسطوة هذا التنظيم لصالح استراتيجيتها البعيدة [2] .
-ومنها شعور الإحباط العام لدى المسلمين اليوم، حتى أن جلّ أتباع الإخوان، وهم الفصيل الذي يعاديه الحرورية أشد العداء، ويكفرون قادته وأبناءه عينًا، قد تشدقوا بمدح هذا الفصيل لمّا رأوا من وقوفه ضد السيسي والخليجيين ممن دعموه. وهذا الأمر ليس بجديد على الإخوان بعد أن ثبت غباؤهم السياسي بشكل قد يكونوا قد انفردوا به في تاريخ المسلمين السياسيّ.
هذه كلّها عوامل قد ساعدت على إنماء بذرة هذا الفصيل الخطير على مصالح الأمة وعلى مستقبلها. زرعنا بذرة زقوم، فحصدنا شجرا ملعونا. وإن لم يفق مشايخ الدعوة ويقفون موقفًا أصلب وأوضح مما نحن عليه الآن، وإن لم تتوحد صفوف مقاتلي فصائل
(1) راجع مقالنا المطوّل في بيان تطور هذا الأمر في مقال"تأريخ وتوثيق لتطور العلاقة بيننا وبين تنظيم إبراهيم بن عواد العِراقيّ"http://www.tariqabdelhaleem.net/new/Artical-72748
(2) راجع مقال"على هامش الحملة الصليبية والتكتيك الحروريّ"http://www.tariqabdelhaleem.net/new/Artical-72782