ثم الحظ الأدب الجمّ في الحديث (فأنا قد تشرفت بالثناء على إخواننا في العراق، وقد كان جوابكم -أكرمكم الله ... ) ، وهو أدب الإسلام أولًا وأدب البيئة التي ربيّ فيها د الظاهري في أكناف أسرة من أعرق أسرها، لا ما نسمعه من لهجة كشاش الحمام طه، أو ذلك المارق البغدادي الذي لا نعرف أي بيئة وبيت نشأ فيه، ولا أشك في إنه كان مليئا بالمشكلات الاجتماعية والعقد الأسرية وانحطاط المستوى العام. فهذه كلها عوامل تشكّل النفسية والخلفية التي تقوم عليها الشخصية بعد نضجها.
ولايحتجن أحد بأن هؤلاء المناكيد المارقين لا يستأهلون حديثًا أديبا، بل التحقير والغض من القدر، فإن لهذا جوابان، أولهما أنّ د الظواهري أديب مؤدب بطبعه، هكذا نشأ كما قلنا، والثاني إنه لم يكن قد قرر وقتها فضّ يده كلية من هؤلاء، مع إنه لم يدع شاردة ولا واردة في باطل هؤلاء إلا بينها.
كذلك، يجب ألا يفوتنا أن أسلوب التغريدات التي نتداولها مع داعش لا يصلح في مثل هذه الوثائق، وشاهد على ذلك الخطاب الذي أرسلته في 11 أبريل 2014 إلى شرعيّ الحرورية البنعليّ [1] ، بناء على طلبه، ثم نشرته علنا في 19 ابريل بعدما تبين كذبهم، وبيّنت له فيه ما أراه انحرافًا في مسارهم، قبل أن نصدر بيان البراءة والمفاصلة، مع الشيخ د هاني السباعي.
كم أود أن أضيف إلى ذلك أنّ اسلوب الدكتور من السهل الممتنع، الذي يفهمه العاميّ ولا ينبو عن ذوق العالم، خلاف بعض من مشايخ اليوم، يتعمدون الإغلاق في اللفظ، فردًا أو تركيبًا، فيتوهم القارئ أنّ وراء الأكمة ما وراءها!
ثانيًا: السياسة الشرعية في الوثيقة:
ولا شكّ أن د الظواهري قد راعى آداب وضوابط السياسة الشرعية في هذه الوثيقة، مع الاحتفاظ بتماسك أعصابه وحفظ التوازن بين النصح والبيان والهجوم.
فتراه في الفقرة (5) قد ردّ على شكلياتٍ سخيفة أثارها المرسل لكن لم يُرد د الظواهري أن يتعداها حتى لا تكون شاهدا عليه، أو فيه معنى صحتها.
أما الفقرة (6) ، فهي في غاية الأهمية من حيث دلّس المرسل بقوله (فيها حكم قضائي) ، فأوهم بما ليس هو في الحقيقة حكما أو قضائيا بالمعنى المتوارد على الذهن، وقد أوضج الشيخ د الظواهري له، وللقارئ وإن لم يقصد ذلك، حقيقة معنى الحكم في هذا السياق، ومعنى القضاء الذي مارسه كأمير وقائد، بأدلته الشرعية. وهكذا يكون جواب الأمراء، تفصيل وتفصيص وإقامة حجة.
(1) "الإنصاف فيما يجرى على أرض الشام من اختلاف"http://www.tariqabdelhaleem.net/new/Artical-72582