ثم أهناك فرقة بدعية لم تبنى أقوالها على تأويل؟ ألم تأول المعتزلة الصفات؟ ألم يؤول الرافضة آيات الله في القرآن مدحًا لعليّ وقدحًا في أم المؤمنين عائشة؟ ألم يؤول الحرورية الأُول قول الله تعالى"لا حكم إلا لله"فأسقطوه على تحكيم علي وحكموا بكفره وبكفر معاوية؟ هل يقبل هذا التأويل في مذهب أهل السنة؟
التأويل عند أهل السنة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم عليه دليل من الكتاب والسنة، ومثاله ما ورد في حديث الشفعة"الجار أولى بقصبه"، أولوا القصب على الجار الملاصق كما ذكر الأصمعي. وقسمٌ ثانٍ كما ذكر الشنقيطيّ، هو ما يعتقد المجاهد أن عليه دليل وليس بذاك، كما في قول أبي حنيفة عن"أيما امرأة تنكح من غير إذن وليها فنكاحها باطل: إنها في المكاتبة، وهذا لا يستقيم مع الدليل، فامرأة لفظ مطلق، وأيما قول يدل على العموم، فلا تخصيص بمكاتبة، وهو تأويل غير مقبول. وقسم ثالث هو عبث محض، وهو ما لا دليل عليه يستقيم مع ما عو مقبول النظر فيه كتأويل أوشبهة تأويل. وحتى يتضح المعنى، نقول:"
فالتأويل في نصوص الشريعة ينقسم إلى حقيقي وإضافيّ، فالحقيقيّ هو ما لا تفسير له ولا بيان، وهو كما في الأحرف الأولى لبعض السور"ألم، ألر ...". وهذه علمها عند الله عند من وقف على قوله تعالى في سورة آل عمران"لا يعلم تأويله إلا الله". ولا يجب هنا أن يقال بالتأويل في آيات الصفات كما فعل من وقف على قوله تعالى"والراسخون فيالعلم"فلجأ إلى تأويل الصفات بلا داعٍ، إذ للصفات معنى ظاهر لا داع لتأويله، هو موضوع آخر ليس موضعه هاهنا. ثم الثاني وهو التأويل الإضافي، وهو الغالب في الشريعة، وهو بمعني البيان للمجمل والتخصيص للهموم والتقييد للمطلق والناسخ للمنسوخ. فتعبير السلف أنّ هذه العمومات والمكقات والمجملات والمنسوخات متشابهات، حسب آية آل عمران، حتى يُعتبر ما يخصصها ويقيدها ويبيّنها وينسخها إن وجد.
ولفظ التأويل يأتي بثلاثة معان: أولها التفسير والبيان، كما في قول الطبري"تأويل آية كذا"، وثانيها بمعنى وثوع الأمر على ما ورد تحققا، كما في قول يوسف عليه السلام"هذا تأويل رؤياي من قبل، قد جعله ربي حقا"يوسف. وهذان القسمان هما ما عُرف عند السلف في تلفظها بكلمة التأويل. ثم الثالث وهو ما ورد على لسان المتأخرين في أصول الفقه وهو"صرف اللفظ عن ظاهره لقرينة" [1] . وقد أوضح العلماء هناك شرط لصحةهذا التأويل، وهو أن يكون اللفظ المؤول به قابلًا للمعنى، فلا يصح أن تُأول البقرة بأم المؤمنين، واحتمال المعنى للتأويل بحيث"يجرى على مقتضى العلم"حسب تعبير الشاطبيّ [2] ، أي على ما جرى علي الناس في الفهم المستقيم عادة. ثم أضاف الشاطبي شرطين آخرين، وهو أن يأتي التأويل المُعارض به ليكون أقوى في معارضة دليل أضعف منه، فيكون راجحًا لا مرجوحًا. ثم أن يكون التأويل على وجه يصلح به أن يكون دليلا على الجملة، لا أين يكون متوهمًا، مثل قول بيان ابن سمعان، مدعى النبوة، في قوله تعالى"هذا بيان للناس"إنه المقصود في الآية!
فإذا استوعبنا هذا الفهم للتأويل، في هذه الكلمات المختصرات، ثم نظرنا إلى قول الخوارج الأول، وجدنا أنّ"لا حكم إلا لله"هو من قبيل تحقيق مناط وتنزيل حكم على متشابه لم يُعتبر مخصصه أو مبينه أو مقيده، وهو عمل
(1) ارجع لكتاب ابن تيمية"الإكليل في المتشابه والتأويل"
(2) الموافقات للشاطبي، كتاب الأدلة، ج 3 ص 98 وما بعدها، طبعة دار المعرفة