بالمتشابهات، يدل على مرض القلب. فإن هناك مبينات لمجمل لا حكم إلا لله، من حيث إن لفك الحكم، يقع تارة على حكم الله العام، وتارة على حكم البشر القائم على حكم الله، كما في آية"يحكم به ذوا عدل منكم"، أو فأتوا بحكم من أهله وحكما من أهلها"فهذا بيان للحكم والتحكيم."
وإذا نظرنا إلا قول من قال إن طائفة من الحرورية يؤولوا في تكفير الجولانيّ بأنه حارب مع بعض فصائل الجيش الحرّ، الكفار بنظرهم، إزالة وجود دولتهم من مناطق معينة كانوا يقيمون الشرع فيها بزعمهم، فهذا منع من إقامة الشريعة فهو كفر. فنقول، على أية آية بني العوادية تحقيق مناطهم؟ لا يكفي عند العالم هذا الاطلاق، بل يجب تحديد الآيات التي اعتمدوها، واعتمد صاحب الشبهات إنهم يؤولونها، للوصول إلى حكم تكفير الجولاني؟ فإن قالوا"فقاتلوا أئمة الكفر"قلنا هو استدلال بموضع الخلاف، وهو هل هم كفار أم لا. أهي قول الله تعالى"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"؟ وهي عمدة ما قد يتعللون به، نقول نعم، على العين والرأس، لكن هل حكمتم بما أنزل الله حقًا؟ هل كانت الحرورية تطبق شرع الله حين تلاقي مسلمًا فتقتله بالشبهة وتترك الكتابي من حيث أمر الله بإبلاغه مأمنه"يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان"؟ هل طبقتم أنتم حكم الله، الذي هو حكم الله حقًا، في مناطقكم، ليكون محاربكم عليها كافرًا؟ هل قتلكم للمسلمين بالشبهة يوميًا بأبشع صور القتل البعثيّ، هو شرع الله الذي يكفر من أبطله في أرضكم؟ لقد قال تعالى"إن الله يأمر بالعدل والإحسان"، فلمَ لم تعتبروا هذه الآية مبينة لوله"ومن لم يحكم ...". أليس هذا حكم الله هو العدل، وأي عدلٍ في قتل فتاة لحديثها مع أخيها؟ وما الذي جعل أخيها مرتدًا أصلًا؟
فأيّ شريعة هذه التي تطبقون، حتى يكفر مبطلها؟ إن إبطال حكمكم في مناطقكم واجب شرعيّ، إذ فيه دفع ضرر مؤكد من استحلال دماء مسلمة، لا يوازيها قطع يد سارق أو جلد زانية. تلك دماء تراق بلا حق، وإن ما أزل الله يأبي إراقة تلك الدماء بغير حق. فتنزيل آية المائدة"ومن لم يحكم ..."باطلٌ أصلا، وليس بتأويلٍ أصلًا، فلا يصح الاستدلال بها حتى يثبت أن حكمَكم هو حكم الله سبحانه .. ولا يصح أن يكون من الصنف الثاني الذي هو توهم مجتهد شبهة دليل، إذ ليس في هؤلاء جميعا، فقيه واحد معتبر، بله مجتهد، ورأسهم تركي البنعلي (المعتدل عند بعضهم) كان تلميذا للشيخ المقدسي وللشيخ السباعي ولكل شيخ في الأرض يعطيه ورقة إجازة، أو يأخذ معه صورة فوتوغرافية! أعلى هذا يعوّل في تكفير الجولاني وغيره، ويقال هذا حكم بما أنزل الله؟ فهو إذن من باب ما ذكر الشاطبي، مبنيّ على وهم وتصورات لا يشهد لها دليل إلا من شبهة مجردة، لعب ووهم! أفيقوا رحمكم الله.
ثم إن نظرنا في الجزء الثاني في مقولتكم الباطلة، إن من حرر تلك المناطق لم يقم فيها شرع الله، قلنا، هذا أمرٌ يرجع إلا خلاف فقهي، في تطبيق الحدود في دار الحرب، من الناس من يؤيده ومنهم من يعارضه، فهو من ثم ليس مناط تكفيرٍ أصلًا لوقوع الخلاف فيه بين المعتبرين.
د طارق عبد الحليم 22 سبتمبر 2015 - 8 ذو الحجة 1436