وكان أثر ذاك المسار الأخير، وتداعياته، نجاحًا في بعض الأحيان كأفغانستان، وإخفاقًا في أحيان أخرى كالعراق، عاملًا مساعدًا في أن حلّت كارثة الغزو الأمريكي للعراق، مرتين. وكان أنْ ظهرت حركة داعش من رحم البعث المنحلّ ومخلفات الفكر الجهاديّ المنحرف.
ومن المستحيل أن نحسب ظاهرة داعش على الفطر الجهاديّ السنيّ ومساره، بل هي تورم خبيث نشأ في جسد تلك الحركة التي كانت تصلح من مسارها، وتعدّل من تصوراتها لحقيقة الصراع وإمكانيات المواجهة، كما شرحنا في مقالتينا عن فكر القاعدة. وكان من الطبيعي أن تتمرد تلك الحركة على كلّ موروث، وتخرج على كلّ مألوف، وتستغل كل قصور في الساحة، من كمٍّ هائل من جهل الأتباع، وحداثة سنهم وسفاهة أحلامهم. وكان فكر التكفير الحروريّ هو الأنسب لذلك المسار، إذ فيه إيحاء وتخييل وبطولة مصطنعة وشهادة مزورة وجهاد تحت راية بدعة، هي اليوم قاب قوس واحد من الكفر!
كان الوضع، قبل نشأة هذا التورم، قد لاحت فيه بعض بشرياتٍ للأمة. فقد طفح كيلٌ الشعوب من احية، فظهرت حركات"تمرد"، تحولت إلى المسار"الديني"في بعض الأحوال، تحت الشعارات الإخوانية، وإن لم تفلح بطبيعة الحال. كما تحولت الثورة السورية إلى مسار إسلاميّ تحت إشراف القاعدة"عن بعد"، وتوجيهها لجبهة النصرة، وانضواء ذلك التورم العوادي تحت رايتها أولًا، دون إعلان، لعدم استنفار القوى العالمية، وهو مظهر من مظاهر التغير في الفكر القاعدي الذي أشرنا اليه مسبقًا.
لكن الخطة الداعشية كانت تختلف عن الخطة القاعدية، والفكر الداعشي يختلف عن الفكر القاعدي السلفي، أيما اختلاف.
ولسنا بصدد الحديث بتفصيل عن أيهما، لكننا نكتفي هنا بأن نُبيّن أنْ الوضع الذي وصلت اليه الحال في أوائل عام 2010 من ظلمٍ وقهرٍ وقتلٍ في الشام، قد شلّ أيدي الغرب عن معاونة بشار، إذ فعله، ولا يزال، يمثل فضيحة بشرية متكاملة الأطراف، لا يمكن أن يقبلها"شعب"شرقي أو غربيّ. ولا ننسى هنا ما ذكرنا مسبقًا من أنّ الحكومات الغربية لا تعمل ضد مُسِلّمات حاضنتها الشعبية، كما في شرقنا التعيس، بل تعمل من خلال تضليله، وإيهامه بعدو شرس غادر يهدده، وإيقاظ مستحاثات الخوف في نفوس البشر.
كان المخرج الوحيد للغرب، كي يستمر في دعم الوضع القائم في الشرق المسلم، رغم ما فيه من قتل وقهر وإجرام، أن يظهر في الساحة، من هم أشد قتلًا وظلما وإجراما من بشار أو السيسي، أو على الأقل، مساو لهما. ساعتها يمكن أن يُزيّف الوضع إلى"إما نحن أو هم"، أي إما أن نسقط بشارًا ونرفع الظلم عن شعبه، لكن على حساب شعوبنا إذ سيظهر هؤلاء الأشرس والأعتى ظلما وقتلا وقهرًا. والخيار لا صعوبة فيه، إذ هو ببساطة شديدة،"نحن وليذهب الشرق إلى الجحيم". وقد كان.
رأينا كيف ضخّمت الدعايات من قوى داعش، بل لا نشك في أن أمريكا كانت متواطئة في قتل الصحافي من مواطنيها. ونرى كيف رسمت بعض الصحف العربية صورة القوة الداعشية، مثل ما يقوم به عبد الباري عطوان، لتعطى الغطاء الكافي للغرب ليضرب كافة الاتجاهات السنية، أولًا، ثم ينتبه لتلك القوة البعثية الحرورية، وما أسهل الخلاص منها بعدها.
نرى إذن أنّ ظهور أولئك المغفلون التائهون عن حقائق الوضع السياسي، كان كارثة حلّت بساحة المسار الإسلامي للتخلص من قوى القهر والظلم والإجرام.
ذلك أنّ ذلك الورم الخبيث له وجهان. وجه إسلامي حروريّ، يقصد إلى جمع الشباب والدعم لضمان استمرار الحركة، ولا يكترث كثيرًا لمن يقتل، أو يذهب هباءً، فهذا الشباب فرحٌ فخورٌ إذ يعتقد إنه في خدمة الغاية الأعلى والأسمى، والقيادات فرحة فخورة لأنّ لديها الرصيد الكافي للاستمرار، فالكلّ فرح فخور مستبشر، البعض بالجنة والبعض بالذهب والفضة، مهما كانت