8.أما عن التداوي فلا بأس به حتى تنقضي الحاجة اليه، وهو من قبيل كشف عورة المرأة للطبيب، ومثله طلب العلم الدنيوي، وكذلك التجارة فيما لا يحرمه الشرع.
9.أما أسّ المشكلة فهو في طالبي الرزق، إذ من ناحية يقال: لا يرتفع التحريم إلا لدفع ضرر لا لطلب مصلحة، وتوسعة الرزق طلب مصلحة تحقيقًا، فلا يحلّ بسببه الإقامة في تجمعات الشركية، إلا إن اعتبرنا هذه التجمعات طدول تتساوى كلها في الحكم، وأغضينا البصر عن البعد الاجتماعي في المسألة. ومن قائل: إنّ الحياة في البلاد التي يغلب على سكانها الإسلام أصبحت تنحدر بأهلها إلى حد الفقر والعوز، والحصول على المال حاجة مؤكدة شرعًا، فدفع ضرر العوز هنا ثابت. وهذا يقودنا إلى القول بأن أمر الإقامة في تلك الدول، في الحال التي عليها بلاد المسلمين اليوم، لطلب الرزق، تقع بين التحريم، والكراهة ورفع الحرج لحين زواله. وهو أمر يعود إلى كلّ مكلّف بتحقيق مناطه الخاص، والنظر في أحواله بنفسه، لا يفيده فيها مفت أو عالم. لكن الشرط هو عدم نية الإقامة الدائمة على وجه التأبيد، غذ إن ذلك يرفع حكم التحيم الأصلي، وهو ما لا يجوز شرعًا، بل يجب استصحاب نية العودة لبلاد المسلمين بعد ارتفاع الحاجة. وهذا القول الذي تبنيناه يتنزل على حال من يرى أنّ الحديث يشمل الجماعة المسلمة، لا الدولة المسلمة، وإلا فلا فرق.
10.أمّا عن الفار من الظلم، خوفا من ضرر السجن أو التعذيب أو القتل، أو الضرر المادي والمعنوي بعامة، فإن الضرر مرفوع في الشريعة، إذ هو في حال المستضعفين، وقد أوجب الله عليهم أن ينزحوا إلى مكانٍ يُؤمن فيه على الحياة والنفس والمال. وقد ورد في آيات الذكر الحكيم، عتابًا على المستضعفين ممن ظلّ تحت طائلة من لايراعى إلّا ولا ذمة"إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا". وهذه الآيات، وإن كانت قد نزلت أصلًا في نزوح المستضعف في بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، فمفهوم الخطاب فيها إنها الحث على الخروج من بلاد الظلم إلى مكان يجد فيه عدلًا وأمانًا، كما صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السيرة بحادثة هجرة المسلمين إلى الحبشة"لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد".
فرفع الظلم هو مبدأ أساسي من مبادئ الشريعة لا يصح أن يعارضه جزئي فيها. وقد عُرف عن البلاد الغربية أنها يسود فيها العدل الموافق للطبيعة البشرية، وإن اختلف الحال في العقد الأخير، نتيجة الهجمة على الإسلام في كافة أنحاء العالم، إلا إنه لا يزال اللجوء إلى بلد غربيّ أفضل للمسلم الداعية الفار بدينه وحياته من أية وحشية تُمارس في بلاد العرب. وقد رأينا كيف أن قطر قد تركت بعض الدعاة لبعض الوقت على أرضها، ثم رضخت للظلم السعودي فأخرجتهم إلى تركيا، على حين!
وهذا ما تيسر لنا بيانه في هذا المقال، والله وليّ التوفيق.
د طارق عبد الحليم
2 نوفمبر 2015 - 20 محرم 1437