5.هل الغربة التي تعانيها أي جماعة دليل صحة معتقد؟ مرة أخرى، فإن تطبيق المفاهيم دون تمييز مساقاتها ومناطاتها هو داء العوام بعامة. ولذلك يجب على العلماء أن يبينوا لهم ما اشتبه عليهم من آيات وأحاديث. والغربة هنا مقصود بها غربة المسلم في عصر جاهلية، وقد يكون هؤلاء الغرباء مشتتين في بقاع الأرض، ولا يصح أن يقال أنهم جماعة معينة كما يقع في روع أتباع جماعة الدولة مثلًا. فإنهم يقولون، نحن أصفى الرايات، ونحن محاربون من الدنيا كلها، غذن نحن الغرباء، وإذا فكل من عدانا عدة للإسلام وأهله، الذين هم نحن لا سوانا! وهو منظق مغلوط معكوس. فقد قالته الحرورية من قبل، حين حاربها عليّ وحاربتها الدولة الأموية من بعده، وكانوا"غرباء"بمعنى أن فكرهم غريب، لا أنهم غرباء بسنتهم. فهذه الظواهر التي يدعون بها الغربة لا محل لها في الوصف ابتداءً.
6.أليس الشدة في الدين والشجاعة والثبات على المبدأ بدليل على صحة المعتقد؟ ونقول لا والله، فإنه كما ذكرنا في مقالنا السابق"وقد عرف الخوارج بشدة العبادة والزهد وقوة العقيدة والشجاعة النادرة، كما عرفوا بالتضحية في سبيل ما رأوه حقًا تحت شعار الثبات على الحق والمبدأ. ولهم في ذلك أحاديث مشهورة في التاريخ، ومن أشهر خطبائهم أبي حمزة الخارجي وقطري بن الفجاءة [1] ". والشدة إن لم تكن في موضعها، وعلى الحق فيها، كانت مذمومة بغيضة لا تجر إلا للهدم والدمار.
7.ثم الحديث عن تفجير أحد جنود الجبهة لنفسه في بيت من بيوت الدير. سمعنا ما قالته جماعة الدولة ولم أسمع من النصرة، لكن أولا فإن موضوع التفجيرات الانتحارية هذا ليس مما أقره ابتداء، فما بالك إن كان موجها ضد أحد من أهل القبلة، ولو كان عاصيا، ولو كان مبتدعا حروريا. لمن الأمر أنك إذا نظرت في بيان جماعة الدولة، ترى أنه بيان يدينهم أكثر مما يثير شفقة عليهم. فهم يقولون إن جنودهم كانوا في الدير"يأخذون التوبة من جنود الجولاني"! بالله عليكم، تبة من ماذا؟ ألا يستحي هؤلاء؟ وماذا إن لم يتب جندي من الجولاني، هو إذن مرتد تقتلوه! هؤلاء والله جن جنونهم وركبتهم الحرورية وعششت في عقولهم وباضت وفرّخت. لقد لعب البغدادي لعبته بمهارة حين زعم أنها"دولة"، وخرجت هاشتاجات #باقية وتتمدد. لكنها تتمدد على حساب قتل المسلمين بزعم عدم توبتهم، لا على حساب النصيرية. قلنا أنتم انشغلتم بقتال المسلمين قلتم لا لم نفعل، هذا بيانكم يفضحكم. وهذا والله هو منهج الخوارج حذو النعل بالنعل. هؤلاء أقول لكم خوارج حرورية أهل تكفير للمسلمين، يجب دفع صولتهم ورد عدوانهم، ولا يبدأهم أحد بقتال. بل يجمع المسلمون ويحشدون تهيأ لهم، فإن صالوا قاتلوهم.
د طارق عبد الحليم
21 جمادى الثاني 1435 - 21 أبريل 2014
(1) "نيل الأوطار"للشوكاني جـ 7 ص 339،"تاريخ الإسلام السياسي"لحسن إبراهيم جـ 1 ص 375."الملل والنحل"للشهرستاني هامش ابن حزم جـ 1 ص 157، راجع"البيان والتبيين"للجاحظ جـ 2 ص 277، وكتاب حقيقة الإيمان، د طارق عبد الحليم ص 89 وبعدها.