ثم حاولنا، والشيخ هاني السباعيّ، مرارًا، أن نتحدث إلى قيادات في تلك الجماعة، نعرض عليها أفكارًا وحلولًا، تحدثنا بشأنها مع جبهة النصرة، ووجدنا منها ترحيبا، لكن دون فائدة، يشهد الله!
لكننا، لم نمل من تكرار المحاولة، ولم ندعُ إلا للصلح ووقف القتال. إلا أن هذا التصرف قد بذر بذرة الشك في النفس، أنْ لماذا لا يريد هؤلاء أن يقبلوا أية وساطة، ولا أن يخضعوا لأي تحكيم أو محاكمةلا على ما الطريقة التي يريدون؟ وبدأ موضوع ردّهم لتحكيم الشيخ الظواهريّ يعود إلى سطح الوعي، وينمو التساؤل، ما هي حقيقة توجهات تلك الجماعة؟
ثم بدأت الدورة الثانية من مسلسل"انجلاء الحقيقة"، وهو ما كان من أمر ما اتخذته الدولة طريقًا لها من فتاوى الشيخ الحازميّ، خاصة فيما يتعلق بتكفير العاذر، وترك المجال للعوام في الافتاء بالكفر والردة! وكانت سلسلة مقالاتنا. وكان أن اتصل بي الشيخ تركي البنعلي يومها وطلب منى أن لا أشير إلى الدولة في حديثي عن الحازميّ، وأن أجعله ردًا علي الشيخ لا على جماعة الدولة، إذ ليس ما يقول من عقيدتها ولا هي تدين بها. فقبلت مسرورًا، وكتبت تغريدة بشأن ذلك عمن"وثقت به تمام الثقة"حينها. ثم كان ما تعرضنا له من سفاهة كوكبة جهال على تويتر من كبار أنصار الجماعة ومن إعلامييها، الذين تولوا كبر الترويج للحازميّ وفكره في هاتين النقطتين بالذات. فطلبنا من الجماعة أن تنكر على هؤلاء تبنّيهم لهذا الفكر علنا، وأن تتبرأ منهم، إذ، كما ذكرنا مرارًا، هذا مما يشوه عقيدتها أمام أهل العلم، ممن لا ينخدع بتزويق الكلام. لكن، سمعنا كلّ غثّ في عدم إمكانية ذلك، بدعوى أنهم لا يمثلون الجماعة، وأن الجماعة لها بيانٌ عام في هذا الشأن، وأنه لا وقت لدى المجاهدين ليردوا على أحد! فبدأت بذرة الشك تترعرع في نفوسنا. أيّ"دولة"هذه التي ليس لديها من يذبّ عن عقيدتها حين تخرج عصابة تنسب لها ما لا تعتقَده؟ وكان هذا أول مرحلة التعجب ثم النقد لهذا الموقف، هينًا ثم عنيفًا. ثم اعتبرنا السكوت رضا، بل موافقةً، بل توجهًا وتوجيها.
ثم بدأت أحداثٌ تتوالى على الساحة الجهادية، عن عمليات قتل فردية، لا علاقة لها باقتتال على حواجز أو محاولة السيطرة على مدينة أو قرية. ومنها، حسب ما وصلنا، موضوع حزاز الرؤوس، وجزار الجماعة أبو عبد الرحمن العراقيّ. ثم جاءت حادثة ذلك القاتل الأوزبكي. وقد حاول البعض أن ينفي علاقتَهما بالجماعة، وأن يروج أن الأوزبكي مطلوب للمحاكمة. وهي كذبة دارجة عند هذه الجماعة، استعملوها مع الشيخ د هاني السباعي بشأن ذلك المتشرعن أبو معاذ، أو أيا كان اسمه. ّ
ثم جاء حدث قتل الشيخ الشهيد أبو خالد السوريّ، وأشارت كافة القرائن على أن أعضاء من هذه الجماعة الحرورية هم من نفذوها. وأبت الجماعة إلا أن يُبعث أبو خالد من موته ليدل على من قتله منهم. وكأن الحكم بالأمارات ليس من الشرع! وهو ما سنتناوله بعد إن شاء الله. وكان هذا الحدثُ حجرًا ثقيلًا ألقي في بركة أخطائهم، فأثار النقع، وهيج الشكوك.
ثم جاءت أخبار توجهِهم إلى البوكمال وغريبة لقتال المسلمين، وهي منطقة محرّرة من النصيرية أصلا. ثم تزامن قتالُهم مع ضرب النظام للمسلمين بداخلها. ثم توجهُهم إلى إدلب، وأخيرًا، قتلهم أميري النصرة، وعائلاتهما، ثم حشدهم حول الدير. وهو ما طفف ميزان سيئاتهم، وجعل السكوتُ عن إظهار عوار مذهبهم جريمةَ لا يحتملُها صاحبَ دين وعلم، إلا من اتبع هواه أو كان ممن تلبّس بثوبي الزور، فظهر في لباس العلم، زورا وبهتانا، وقد أشرنا في تغريداتنا إلى بعض منهم بالفعل.