الاشتباكات العقدية، عادة على مستويين، خلافٌ في أصل المسألة، وخلافٌ في مناطها ومن ثم تطبيقها. ومثال على ذلك أنّ كلّ مسلمٍ، بلا استثناء، يؤمن بأن مرتكب الشرك الأكبر كافرٌ. لكن يأتي الخلاف في مناطات هذا الأصل، وهو عل هناك مانعٌ من تكفير هذا المعينّ بالذات، أو تكفير من ثبت في حقه عارض من العوارض، وإلى أي درجة يتعلق هذا المانع بمنع تكفيره، وهكذا. فهنا يتحد الأصل، ثم تتفرق صور التطبيق. ومن الظلم البيّن والجهل المردى أن نسوّى بين المستويين من الخلاف. والعالِم من حرّر محل النزاع، ثم تعامل مع خصمه في نطاق هذا التحرير. من هذا الباب ترى الكثير من رويبضات العصر، وما أكثرهم في جيوش النت، يقعون في التكفير، كما يقع الفراش في الضوء المُلتهب، وتراهم يحسبونه ماء، وهو سراب بقيعة، لا أكثر.
كما أن الخلافات السياسية تقع عامة في التنظير أو خاصة في النفس الانسانية. أما التنظير، فهي عادة تابعة للإشكالات العقدية التي ذكرنا، وتقع تحت مسمى"السياسة الشرعية"، ومنها صحة التعامل مع خصوم بناء على عقيدتهم، أو مدى اليسر في تطبيق حكمٍ شرعيّ معين في ظرفٍ معين. أما في خاصة النفس الإنسانية، فهي تتعلق بالهوى، وحب الرئاسة والتعلق بالدنيا، وسائر ما حذّر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي آخر ما يخرج من قلب العبد من أغراض الدنيا.
فهذا الذي ندوّن هنا مقدمة لرسم خطوات أي صلح لعله يكون مجديًا في الآتي القريب، كما سنضع تفاصيله بعد إن شاء الله. وسيقع هذا المقال في ثلاثة أجزاء:
أولًا: نقاط الاشتباك العقديّ
ثانيًا: نقاط الاشتباك السياسي
ثالثًا: أجندة التقارب وخطتها الزمنية والعملية
وبالله التوفيق.
أولًا: نقاط الاشتباك العقديّ
ولا نرى أي خلاف في أصول العقيدة بين الدولة الإسلامية وجبهة النصرة. فكلاهما ملتزم بالكتاب والسنة الصحيحة، وكلاهما ملتزمٌ بإجراء حكم الله وتشريعه، والإعراض عن القوانين الوضعية، وعدم موالاة المشركين"المتفق على شركهم"، ونبذ الديموقراطية، وعدم صرف حقّ الطاعة في التشريع وفي توجيه الشعائر لغير الله. هذا أمرٌ متفق عليه في الأصول.
أما في المناطات، فالأمر يختلف، لكن نسارع بالقول أن خلاف المناطات لا يقع به تكفير إلا عند أهل البدعة من أشباه الخوارج، أو عند الجهلة الرويبضات. أمّا غالب أهل العلم من أهل السنة، فهو عندهم من الخلاف الراجح أو المرجوح، حسب الحالة، وقد يكون من أخطأ فيه له ثواب المجتهد إن حمل الآله، أو له إثمٌ وتنطع أن كان ليس بمجتهدٍ، كما يقع