أما من ناحية السياسة، وأقصد السياسة الشرعية، فإن هناك نقاط اشتباكٍ بين النصرة والدولة تحتاج إلى إيضاح وتمييز، أتناول أهمها وأكثرها تأثيرًا في الموقف الحاليّ.
مسألة البيعات:
أعرف مسبقًا أن الحديث في هذاالأمر سيجرّ عليّ ويلات أهل تويتر، بل ولعنات وتكفير وتخوين من كلا الفريقين، لكن والله ما أبالى بهذا مثقال ذرة، إلا أن ينكشف الحق وترتفع الغمة. وكلا الطرفين مُحتاج إلى عين مراقبة محايدة، ترصد بلا تعصب، لترى الفجوات في مسار الأحداث ومنطقها، وتخلخل سلسلة أسبابها، من ثم مسبَّبَاتها. فليغضب من يغضب، وليرضى من يرضى، وقد صدق من قال
فليتك تحلو والحياة ذميمة وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمين خرابُ
إذا صحّ منك الودُّ فالكلُ باطلٌ وكلّ ما فوق التراب ترابُ
نبدأ بتقرير أنّ أمر البيعة واحترامها واجب شرعي لازم، وردت به الأحاديث، وأكدته السنة، إلا فيما ليس فيه طاعة ظاهرة لله، كأن يأمر أحدٌ أحدًا من جنوده بقتل مسلمٍ أو من شك في إسلامه، فلا طاعة هناك، إلا إن كان من طائفة باغية تحدد بغيها بإجماع أهل الحل والعقد، وبدأته بقتال، وتفاصيلها في كتب الفقه وأبواب الردة.
ثم إنه يجب أن نذكّر أن كل تلك البيعات هي بيعات إمارة لا بيعات عامة للإمامة العظمى أو الخلافة، فهذا أمرٌ لا يزال بعيدًا عن المنال، كيف ونحن لا نزال نحاول التوفيق بين فريقين متقاتلين! ولكن هي، في آخر الأمر، الوسيلة التي يجب أن يتخذها المسلمون للوصول إلى تحقيق مقصد الشارع.
ثم ننتقل إلى صلب الموضوع. فنقول إنّ هناك بيعة ثابتة بيقين، وهناك بيعة غير يقينية لم يُحسم أمر وقوعها.
فالبيعة الثابتة بيقين هي بيعة الشيخ الجولاني للشيخ البغدادي. هذه لا مراء فيها.
قد يقول أنصار جبهة النصرة:
-إنها كانت ملزمة في العراق فقط، وهذا غير صحيح ولا يتمشى مع سنن البيعة. ومن المعلوم أنها كانت بيعة تشمل الشام أعطي الشيخ البغدادي حفظه الله الشيخ الجولاني حفظه الله بها مالًا ورجالا وعتادًا للتوجه إلى الشام، فكيف يبايع للشيخ البغداديّ أمير متوجه إلى الشام دون أن تشمل البيعة الشام؟
-كيف يمكن أن تقام دولة في الشام دون استشارة أهلها؟ وهذا يمكن أن يختلف فيه النظر، فمما لا شك فيه أنّ مشاورة أهل المحلة مطلوبة لمنع حدوث ما حدث بالفعل، لكنه ليس واجبًا، إذ إنّ توجه الشيخ الجولانيّ أصلًا