وقبل أن نبدأ الحديث، نود أن نقرر نظرًا أصوليًا هنا، نردّ به عقل الناظر إلى حكمة في فهم الخطاب القرآنيّ. ذلك أن القرآن لا يأتي إلا بالغايات في الأحكام، أي يأتي بالتنبيه على أقصى الدرجات في الغايات، الكفر الأكبر والإيمان التام. يقول الشاطبيّ في بيان رائعٍ لهذه القاعدة الفذة"والضرب الثاني أن تأتي في أقصى مراتبها ولذلك تجد الوعيد مقرونا بها في الغالب وتجد المأمور به منها أوصافا لمن مدح الله من المؤمنين والمنهى عنها أوصافا لمن ذم الله من الكافرين ويعين ذلك أيضا أسباب التنزيل لمن استقراها فكان القرآن آتيا بالغايات تنصيصا عليها من حيث كان الحال والوقت يقتضي ذلك ومنبها بها على ما هو دائر بين الطرفين حتى يكون العقل ينظر فيما بينهما بحسب ما دله دليل الشرع فيميز بين المراتب بحسب القرب والبعد من أحد الطرفين كي لا يسكن إلى حالة هي مظنة الخوف لقربها من الطرف المذموم أو مظنة الرجاء لقربها من الطرف المحمود تربية حكيم خبير. وقد روى في هذا المعنى عن أبي بكر الصديق في وصيته لعمر بن الخطاب عند موته حين قال له ألم تر أنه نزلت آية الرخاء مع آية الشدة وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغبا راهبا فلا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له ولا يرهب رهبة يلقى فيها بيده إلى التهلكة أولم تر يا عمر أن الله ذكر أهل النار بسيء أعمالهم لأنه رد عليهم ما كان لهم من حسن فإذا ذكرتهم قلت إني أخشى أن أكون منهم وذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم عما كان لهم من سيء فإذا ذكرتهم قلت إني مقصر أين عملي من أعمالهم هذا ما نقل وهو معنى ما تقدم فإن صح فذاك وإلا فالمعنى صحيح يشهد له الاستقراء وقد روى أولم تر يا عمر أن الله ذكر أهل النار بسيء أعمالهم لأنه رد عليهم ما كان لهم من حسن فيقول قائل أنا خير منهم فيطمع، وذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم عما كان لهم من سيء فيقول قائل من أين أدرك درجتهم فيجتهد" [1] .
ومحصلة هذا، أنّ ما يرد في القرآن من أوصاف للكافرين، فهو على حدّه الأعلى، أي يصف به الكفر الأكبر، حكما وولاء ونسكًا. أما الحدّ الأدني، أو الأصغر فيها، فتأتي به السنة المطهرة، تبياناّ للقرآن.
فكما أنّ الكفر أكبر وأصفر، فصوره الواقعة في التوحيد هي بالتالي كبرى وصغرى. ففي التحاكم أكبر وأصغر، فالولاء أكبر وأصغر، وكذلك في النسك، شرك أكبر وأصغر. ونضرب لذلك أمثلة تعين طالب العلم على الفهم.
ففي قضية التحاكم إلى الله، يقول المولى عز وجلّ"وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُو?لَائِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"المائدة 44، وهي هنا محمولة على مناطها المكفّر كفرًا أكبر، أي من ينتزع من الله حقّ التشريع المطلق وسن القوانين الوضعية، لا من يظلم بانتزاع أرض أو اغتصاب حق من الحكام، كما كان يحدث في كثير من خلفاء في تاريخ الإسلام. أما ما جاء في السنة، مثل قول المصطفي صلى الله عليه وسلم"تكثرون اللعن وتكفرة العشير"فهذا كفرٌ دون كفر، كما ترجم له البخاري رحمه الله، كذلك لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، لأن الله سبحانه قال"وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا? فَأَصْلِحُوا? بَيْنَهُمَا"الحجرات 9، فبيّن أن القتال بين المؤمنين يصح أن يقع، وهما لا زالتا على الإيمان، ويكون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة من صور الكفر الأصغر التي منها البغي، وهكذا."
أما في الولاء، فيقول الله سبحانه"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا? لَا تَتَّخِذُوا? الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"المائدة 51. فالولاء هنا كفر يتحدث عن صورة ولاء أكبرٌ وكفر
(1) الموافقات للشاطبيّ ج 3 ص 140،باب العموم المسألة السادسة.