والولاء، كما ذكرنا، أمر له وجهان، وجه ظاهر، وهو عمل يمكن أن نشهد به على الفاعل، وهو الأضعف في حالة الولاء، ووجهُ باطن وهو انعكاس هذا الفعل على إيمان الفاعل وهو الأقوى والأهم. لهذا وجدنا حادثة حاطب تبين لنا الحدود التي يمكن أن يكفر بها فاعل الولاء، ومناطه المكفر.
قصة حاطب بن أبي بلتعة
فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ قَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا: الْكِتَابُ. فَقَالَتْ: مَا مَعَنَا كِتَابٌ فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا فَقُلْنَا: مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ أَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْهُ فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ عُمَرُ:"يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ""دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ""فَإِنَّهُ قَدْ كَفَرَ"فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْت؟. قَالَ حَاطِبٌ:"وَاللَّهِ مَا بِي أَنْ لا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ""وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلام""وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا""وَمَا غَيَّرْتُ وَلا بَدَّلْتُ"ِ"مَا كَانَ بِي مِنْ كُفْرٍ وَلا ارْتِدَادٍ""أَمَا إِنِّي لَمْ أَفْعَلْهُ غِشًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا نِفَاقًا قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ رَسُولَهُ وَمُتِمٌّ لَهُ أَمْرَهُ""فقلت أكتب كتابًا لا يضر الله ولا رسوله"أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلاَّ لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِه. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ وَلا تَقُولُوا لَهُ إِلاَّ خَيْرًا. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ: أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَال: َ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ، أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
يظهر من هذا التالي:
-أنّ التكييف الشرعيّ الأصلي لفعل حاطب رضى الله عنه، هو الكفر، وهو ما شهد به حاطبٌ نفسه حين أقرّ أن ظاهر الفعل كفر، ذلك في قوله"وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا".
-أنّ الدلالة التي دلت على أن هذا الولاء كفر هي مكاتبة العدو وكشف اسرار المسلمين، وفيها معنى المناصرة.
-أنّ وجود قرينة أو قرائن قوية احتفت بالفعل، تغيّر من تكييفه [1] ، وهو باب هامٌ من أبواب أصول النظر والاستدلال، يجب على الناظر التبحر فيه قبل التجرؤ على الفتوى.
-أنّ شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له، وأنه شهد بدرا، هي قرينة أخرى اعتبرت في الحكم.
(1) راجع الطرق الحكمية في السياسة الشرعية"لابن القيم ص 11، وص 16 وبعدها"