فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 721

الصلاة؟ قالت: أحرورية أنت؟ قد كنا نحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نقضي ولا نؤمر بالقضاء". وهذا الاستفهام الاستنكاري من عائشة رضي الله عنها، وهي التي عاشرت الحرورية وعرفت مناطات تسميتهم، يظهر ما قصدنا اليه. هذا، وسؤال المرأة عن قضاء صلاة الحائض، فكيف بمن استحل دماء المسلمين وقتلهم على شُبهات التكفير؟"

ثم إنّك تجد تحت الفرق الخمسة الكبرى طوائفَ كثيرة، تبلغ أكثر من العشرين في كل فرقة، انشقت عنها وتشعّبت، منها ما اتفقت فيها على أصول ومنها ما اختلفت فيها. لكن الجامع بينها هو أصول معينة، يتميز بها أصل الفرقة، وعليها تقوم، وهي في أصول كلية في الشريعة، اتفق المسلمون عليها. وهذه الأصول الكلية، منها ما هو في صلب العقيدة، كما اتفقت المعتزلة على الأصول الخمسة، العدل، والتوحيد، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والتحسين والتقبيح العقليين. ومنه ما أصلُه ليس كليًا، لكن أدخل في أصول الدين بالبدعة، كما فعل الروافض حين جعلوا الإمامة شرطًا وأصلًا من أصول دينهم، فكان الحاقهم لها بالأصول، أصلٌ كليّ بدعي عند أهل السنة.

كذلك الخوارج، فقد اتفقوا على كفر مرتكب المعصية من المسلمين، واستحلوا دماءَهم بهذا السبب، وولغوا فيها، وعاملوهم في القتال معاملة الكفار، بل تقربوا إلى الله بقتلهم! ثم اختلفوا فيما غير ذلك من مرتكب المصر على الذنب، صغيرًا أو كبيرًا، وحكم التائب وغير ذلك مما تجدُه مدونا في كتب الفرق.

والأمر، أنّ أولئك الخوارج، قد لبّسوا أمر المعاصى التي جعلها الله سبحانه معاصٍ لا كفرًا، وألبسوها لباس أعمال الكفر، ومن ثم، أدخلوها تحت مبدئهم العام من كفر مرتكب المعصية، كما فعلت الروافض في جعل الإمامة من أصول الدين! ومن هنا كان قتال الحرورية ليس من باب قتال الفئة الباغية.

مظاهر مذهب الحروريّة في منهج جماعة"الدولة الإسلامية"

وإذ وصلنا إلى هذا الموضع في بحثنا، فإننا نرى أوجه التشابه بين الحرورية وبين جماعة"الدولة الإسلامية".

-اتفاقهم في الأصل البدعي الذي اجتمعت عليه فرق الحرورية جميعا، ألا وهو تكفير المسلمين بما يرونه معاصٍ، بعد أن يُلبسوها ثوب أعمال الكفر، واستحلال دم المسلمين وقتلهم والتمثيل بهم!

وقد ورد هذا عن بعض أمرائهم، كعبد الرحمن العراقي، وما جاء عن أبي دجانة القزبيز، أمير في الشرقية، وقد كفر النصرة واستحل دماءهم واستحي نساءهم وتتبع جرحاهم! وهو غايةٌ في الحرورية. ثم ما حدث من قتل الشيخ أبو خالد السوريّ، الذي تدل كلّ القرائن على أن من قتله منهم، وإن لم يأمروه أو يستأمروه، لكنه نبع من هذا الأصل الخرب عندَهم، كما نبع عبد الرحمن بن ملجم من نفس سقط الرّحم. والأتباع على مذهب وتربية سادتهم وكبرائهم. ثم ما حدث أخيرًا في واقعة قتل أمراء إدلب أبو ترابٍ وأبو محمد عليهما رحمة من الله ورضوانا، وقتلِ أطفالهما ونسائهما. ألا لعنة الله على من فعل هذا منهم. وهم يكذبون وينكرون، ويعلم الله أنهم كاذبون. فمن غيرهم يفجّر نفسه؟

وقد يقول البعض: هذا ليس بمذهب الجماعة، بل مذهبُ الجماعة ما هو معلن في مواثيقها، وعلى لسان"شرعييها". قلنا، وهذا مع الأسف، هو ما جعل هذه الجماعة أحطّ درجة من الحرورية، إذ إن الحرورية لا يكذبون ولا يدارون، حتى أنّ أهل الجرح والتعديل في علم الطبقات، قبلوا رواياتهم، ومن ثمّ، حَمَل أحاديثًهم كثيرٌ من أصحاب المسانيد والصحاح، ومنهم البخاري، ونقل فيهم الخطيب البغدادي، في الكفاية في علم الرواية عن أبي داود قولَه: ليس في أصحاب الأهواء أصح حديثا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان وأبا حسان الأعرج. وهذا الذي نقول قد عايناه بصفة شخصية، مما كان يقال لنا في السر، وما نراه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت