حين يتحدث"الإسلاميون"اليوم عن دولة"الإسلام"، فغالبًا ما يرِد على خاطرهم خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وأكثرهم واقعية، يرد على باله الخلافة الأموية أو العباسية.
وأعني بالإسلاميين صنفين من المسلمين، أحدهما عامتهم، والآخر خاصتهم من الشرعيين أو الباحثين، حسب انتماءاتهم العقدية والحركية.
فالشرعيون، في الحركات الجهادية مثلا، لا يختلفون كثيرًا في تصورهم عن عامتهم في هذا الصدد، وهو التصور الذي ذكرنا، تصور بسيط مباشر"لدولة"أو"خلافة"تقوم فجأة لا يحول بيننا بينها في عالم الناس إلا أن نجد"خليفة"نجتمِع عليه، أو يجتمع عليه من يؤصل هذا النظر منهم، ويلتزم به المسلمون، عامة وعلماء في نواحي الأرض كلها!.
والباحثون، سواء المُنتمون منهم إلى حركات إسلامية كالإخوان، أو المستقلون العلمانيون، ينظرون إلي الدولة بمنظار جدّ مختلف عن أولئك الآخرين.
فهؤلاء الذين ينتمون إلى حركات إسلامية"وسطية"يرونها دولة ديموقراطية وطنية، يحكمها شرع الله بحكم الأغلبية التي تعيش على أرضها، لا أكثر. أما العلمانيون اللادينيون، فأنهم يرون الدولة بأي شكل إلا أن يكون للإسلام فيها موضع قدم، فقد تكون ديموقراطية أو دكتاتورية أو عسكرية، لابأس بأيها، طالما ليس فيها أي صبغة إسلامي. وهؤلاء الأخيرون هم من نعتبرهم، بالتعبير الشرعيّ، مرتدون.
ومن ثم، فإن بحثنا هنا لن يمس تصوراتهم إلا من حيث نقاط تلاقيها مع التصورات"الإسلامية".
والحقّ، أن دولة الإسلام، تقع وسطا بين هذين الطرفين"الإسلاميّين"، كما سنبين في هذا المبحث.
وقد أدى تصور"الإسلاميين"للدولة الإسلامية، إلى ما نراه منعكسًا على الساحة اليوم، في مصر والشام والعراق على الأخص، ثم اليمن وليبيا وتونس، بشكلٍ أو بآخر.
ففي مصر، أدى تصور الدولة الإسلامية في ذهن الإخوان إلى تضارب في المصالح، بين منهجين عقديين لا يمتا لبعضهما بصلة، منهج العلمانية اللادينية، ومنهج الإسلام.
ولم يدرك هؤلاء أن اللقاء بينهما مستحيلًا، وأن إمساك العصا من المنصف، لا يقبله العلمانيون اللادينيون من ناحية، ولا يقبله الغرب الصهيو-صليبي من جهة أخرى، فسقطوا، وسقطت معهم فكرة الدولة الإسلامية المبنية على هذا التصور.
أما في العراق والشام، فإن الأمر اختلف عنه في مصر اختلافًا بيّنا.
ذلك أن"التيار السلفي الجهاديّ"قد انقسم على نفسه إلى تيارين، التيار السلفي الجهاديّ الأصلي الأصيل، المتمثل في مواقف الكثير من علماء أهل السنة، عقديًا، وفي قاعدة خراسان عقديًا وعمليًا، وما آثرنا أن نطلق عليه هنا"التيار السلفي الجهاديّ الجديد-أحاديّ النظرة"للأسباب التي سنقدمها بعد.